أخبارفنون

فايزة أحمد… كروان الشرق الحزين (1-4)

من رحم الألم والمعاناة يولد الإبداع، ومن هذا الإبداع تولد الشهرة، ويتحقق المجد. باختصار هذه قصة الفنانة السورية صاحبة الصوت الماسي، الذي زاد على اللحن لحناً وفاض في القلب حباً، أطرب كبار المطربين؛ فتحدثوا عنه، مثل كوكب الشرق أم كلثوم، والموسيقار محمد عبدالوهاب… فايزة التي عاشت في زمن العمالقة، واستطاعت أن تحجز بحنجرتها مكاناً بينهم، ووقفت على أكبر المسارح وغنت فأطربت، من الموال إلى القصيدة، بين سورية والعراق ومصر، فأبهرت بأدائها الجميع وجذبت إليها نجوم عصرها من كتاب وملحنين؛ عاشت حياة قصيرة متعبة، وتركت إرثاً غنائياً كبيراً في المكتبة الموسيقية العربية باسمها.

ولدت الفنانة الراحلة فايزة أحمد في مدينة صيدا (جنوب لبنان)، سنة 1930، من والد سوري اسمه أحمد البيكو، وأم لبنانية من مدينة صيدا. ومن الأمور التي أثرت على حياتها، منذ صغرها، الطلاق بين والديها وهي ما تزال طفلة، فاضطرت للعيش مع والدتها التي تزوجت مرة ثانية.

لفتت الطفلة فايزة انتباه المعلّمات في المدرسة بعذوبة صوتها، حيث كانت تترنم بأغاني ليلى مراد وأسمهان. وكانت هاتان الفنانتان قدوة لها في الغناء، عندما كانت طفلة.

أحبت أمها صوتها بشكل كبير، إلا أن المدرسة التي ترتادها في تلك الفترة رأت أن الغناء سيفسد أخلاق البنات، وهو السبب الذي كان وراء كره فايزة للمدرسة، في وقت مبكر، فأحضرت لها أمها مدرس موسيقى لتتعلم أصولها.

فايزة التي ركضت للوصول إلى حلمها الفني في بيروت كانت تقيم صغيرة مع والدها، صاحب المطعم المتواضع والصغير في حارة سائد خان الفوقاني ببيروت، ووالدتها اللبنانية من عائلة ياسرجي، التي تزوجت بعد أبيها من عائلة الرواس، ليتغير اسم عائلة فايزة.

وحين ساءت أحوال الأسرة، ولم تعد الأم قادرة على دفع مصاريف دراسة ابنتها، اقترح أحد الجيران على الابنة الصغيرة فايزة أن تغني في الأفراح لمساعدة أمها في مصاريف المعيشة. وبعد عملها في الغناء بالأفراح، تقدمت لاختبار الإذاعة اللبنانية، حيث أجازها لهذا الاختبار الأستاذ محيي الدين سلام، والد المطربة نجاح، وبالفعل نجحت في اختبار الأصوات، ومن ثم تعرفت في الإذاعة على ثنائي غنائي هما الشقيقتان أحلام وهيام النعيمي، اللتين قامتا بدعوتها إلى بيتهما، حيث أعجب أخوهما عمر بها ورأى فيها الفتاة التي ستجلب له الذهب، فتزوجها وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وأنجبت منه ابنتها الأولى فريال.

لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً، فانفصلت عن عمر مبكراً. وبعد الطلاق، انتقلت فايزة أحمد إلى دمشق، لكنها لم تلق قبولاً في الإذاعة السورية، فغنّت في المطاعم والمرابع.

وفي طريق بحثها عن فرص أكبر لتحقيق حلمها مع الغناء، تقدمت فايزة أحمد في الخمسينيات لاختبار الغناء مجددا بعد الإذاعة اللبنانية، ولكن هذه المرة في إذاعة دمشق، وقد رأى الملحن السوري الكبير محمد محسن، الذي كان ضمن فريق اللجنة التي اختبرتها، أنها لا تصلح للغناء، وهو الملحن نفسه الذي عاد ليعترف بها ويلحن لها أغنية، بعدما شقت طريقها في الغناء بنجاح.

بعد رفضها الأول وفشلها في اختبار إذاعة دمشق، لم تترك فايزة اليأس يتسلل إلى قلبها فتقدمت لإذاعة حلب، التي قدمت لها أغنية «قولولي فين الدوا»، وكانت الإذاعة تبث لمدة نصف ساعة على موجة دمشق، وأُعيد بث الأغنية في اليوم التالي، على غير عادة لوائح الإذاعة، فاتصل مدير إذاعة دمشق وطلبها لتكون معهم، فسافرت إلى دمشق وأحيت بعدها الكثير من الحفلات. وتدربت فايزة أحمد في دمشق على يد الملحن محمد النعامي، فنجحت وأصبحت مطربة معتمدة في إذاعة دمشق، ثم سافرت إلى العراق والتقت بالملحن العراقي رضا علي، الذي لحن لها عدة أغانٍ باللهجة العراقية كأغنية «اشبيك يا قلبي».

الملحن علي رضا

بقيت الفنانة فايزة أحمد فترة في بغداد، حيث عملت هناك وذاع صيتها كمطربة جديدة ذات صوت جميل. وخلال هذه المرحلة من حياتها، استطاعت اتقان بعض المقامات الموسيقية إضافة إلى ظهور النضج على صوتها.

ويعد الفنان اﻟﻌراﻗﻲ اﻟﻛﺑير رﺿﺎ علي، عند كثير من الباحثين، اﻟﻣﻛﺗﺷف الحقيقي ﻟﺻوت ﻓﺎيزة أﺣﻣد، إلا أن ما يمارس -كما ترى بعض المصادر- على أي فنان غير مصري متواجد داخل مصر في تلك الفترة كان سبباً في تجاهل مقصود من الفنانة للحديث عنه كمكتشف حقيقي لها. ونذكر هنا، كما يقول وجيه، حالة الفرز التي تعرض لها الفنان السوري الكبير فريد الأطرش، وبالتالي المعاملة التي عومل بها. ولهذه اﻷﺳﺑﺎب ﺧﺷيت ﻓﺎيزة داﺋﻣﺎً أن ﺗذﻛر ﻓﻲ أي يوم ﻣن الأيام هذا الأﻣر، ﻻ ﻓﻲ اﻟﺻﺣﺎﻓﺔ وﻻ ﻏيرها، وﺗﻧﻛرت لكون رﺿﺎ علي هو ﻣن اكتشفها عندما ﻗدﻣت ﻣن ﺳورية إﻟﻰ اﻟﻌراق، ﻓﻲ اﻟﺧﻣﺳينيات ﻣن اﻟﻘرن اﻟﻣﺎﺿﻲ، وكانت ﺗﻠك اﻟﻣﻐنية اﻟﻣﻐﻣورة اﻟﺗﻲ ﺗريد أن ﺗﺟرب ﺣظها ﻣﻊ اﻟشهرة واﻟﺟﺎه، ﻓﻲ ﺑﻠد ﺻﺎﻋد وﻗريب من اﻟذاﺋﻘﺔ اﻟﻐﻧﺎﺋية اﻟﺷﺎﻣية، فبدأت ﺗﻐﻧﻲ ﺑﻣﻼهي ﺑﻐداد اﻟﺗﻲ ﻛﺎﻧت ﺳﺎﺣﺔ ﻟﻠﺗﺑﺎري واﻟﺗﺑﺎهي واﻻﺳﺗرزاق ﻟﻠﻔﻧﺎﻧين، ﻓﻲ زﻣن ﻟم يبدأ ﻓيه اﻟﺗﻠﻔزيون اﻟﻌراﻗﻲ ﺑثه ﺑﻌد، رﻏم أنه يعد أول ﺗﻠﻔزيون ﻋرﺑﻲ ﺗﺄﺳس ﻋﺎم 1956. وﻓﻲ إﺣدى اﻟﻣرات اﺳﺗﻣﻊ اﻟﻔﻧﺎن رﺿﺎ على إﻟﻰ ﺻوتها ﻓﺷﻌَر ﺑﺂﻓﺎق ﺻوتية واﺳﻌﺔ وواﻋدة، ﻓﻘدم لها أﻏﺎﻧيه وهو ﻓﻲ ذروة شهرته، وﻣنها «ﺷﺑيك يا ﻗﻠﺑﻲ» وأﻏﻧية «ﺧﻲ ﻻ ﺗدك اﻟﺑﺎب»، وأﺧرى ﻣطلعها «ﻣﺎ يكفي دﻣﻊ اﻟﻌين يا ﺑويه»، وهذه الأﻏﻧية ﺟﻌﻠت اﻟﻛل ينتبه إلى اﻟﺻوت اﻟواﻋد فايزة أﺣﻣد ويبشر ﺑظهور ﻓﻧﺎﻧﺔ بدأت شهرتها ﻣن ﺑﻐداد.

بعدها جاءها عرض الغناء في أكبر ملاهي مصر 1956، وأخبرها مدير هذا الملهى أنه سيعرّفها بالموسيقار محمد عبدالوهاب، وكان هذا أحد الأحلام الكبرى لفايزة أحمد، حيث كانت تحلم بأن يلحن لها هذا الموسيقار الكبير، وهو ما حدث بالفعل، فقد سمعها عبدالوهاب وأبدى إعجابه بصوتها ووعدها بالتلحين، وفعلا هذا ما حدث. لحّن لها عدداً من أجمل أغانيها مثل «هان الود» و«ست الحبايب» و«حمال الأسية» و«بريئة»، وقد قال عنها: إن صوتها هو «صوت الماس المكسور».

ونذكر من حياتها الشخصية في دمشق وقتها أن زواجها الثاني كان من الضابط المتقاعد مختار العابد، الذي أنجبت منه طفلين: أكرم وأماني، لكن الخلافات كانت شديدة بينهما وانتهى ذلك الزواج بالطلاق.

السفر إلى مصر

في منتصف الخمسينيات سافرت فايزة إلى القاهرة، مزوّدةً ببعض الأغاني من تلحين الموسيقي السوري المعروف محمد محسن: «ليش دخلك»، و«درب الهوى»، و«يارب صلي» (أغنية دينية). وفي مصر اهتم بها الملحن الفلسطيني رياض البندك، الذي كان مقيما في دمشق وانتقل إلى القاهرة، وهو من المؤسسين الأوائل الذين أطلقوا إذاعة «صوت العرب».

لقاء الحكيم

أول ملحن غنت له فايزة أحمد عند قدومها لمصر كان عميد الأغنية السعودية الموسيقار طارق عبدالحكيم، الذي كان يدرس الموسيقى هناك أيامها عام 1954، والتقت به ولحن لها أغنية «ربيع العمر» من أشعار الراحل محمد طلعت، وغنت أيضاً من ألحانه «أسمر عبر» كلمات محمد الفهد العيسى، وكانت فايزة لا تزال تلك المطربة التي لا يعرفها كثيرون، وأغنية «أسمر عبر» غناها الكثير من المطربات والمطربين منهم هيام يونس ومحمد عبده لكن الأخير قدمها بشكل مختلف وحققت شهرة كبيرة بصوته.

ثم جاء الفرج على حساب المطربة المصرية الشهيرة يومها أحلام، أم مدحت منير، الذي يعيش ويعمل في جدة منذ سنوات طويلة هو وزوجته ابنة الموسيقار الكبير سيد مكاوي، وللأغنية قصة مع فايزة أحمد.

«أنا قلبي إليك ميال»

كان الراحل الموجي في تلك الفترة يواصل في استديو نقابة الموسيقيين بروفات أغنية «أنا قلبي إليك ميّال»، للمطربة الكبيرة أحلام، وهي من أشعار مرسي جميل عزيز. وهذه القصة قبل أن يتزوج الموجي بأحلام… تأخرت أحلام عن البروفة، ثم لم تأت مطلقاً، وكانت فايزة حاضرة للبروفة مع توصية من عميد الإذاعة بأن يلحن لها الموجي أغنية ما. كان غياب أحلام وإعجاب فايزة بالأغنية وإصرارها عليها أسباباً كافية جعلت الموجي يعطيها الأغنية، مع شعور كبير منه بأنها ستذهب إلى «الجحيم والغياب الأبدي» مع صوت مغمور. لم يعلم ولم تعلم هي أن الاغنية ستكون مفتاح النجومية لها، وأنها ستعيش طوال العمر، وهو النجاح الذي جعل الموجي ومرسي جميل عزيز يتبعانه بـ«يمّه القمر على الباب» في نفس العام. المهم هنا أن هذه الأغنيات سبقت في جماهيريتها ونجاحها كل أغنيات أحلام، التي كان يحبها ثم تزوجها وأنجبا معا أغنيات عديدة منها «ما رضيش ابويا» و«الله يا ليل الله» و«زغروطة حلوة»، وجميعها لمرسي جميل عزيز.

فتحت أغنية «أنا قلبي إليك ميّال» الطريق لصوت فايزة للتعامل مع الكبار مثل أحمد صدقي ومحمود الشريف وعبدالعظيم محمد، والكبير جدا في تاريخ الموسيقى العربية زكريا أحمد، وأخيرا مع الموسيقار محمد عبدالوهاب، الذي قدمت معه أشهر أغنياتها: «ست الحبايب» و«بريئة» و«خاف الله»، وغيرها الكثير.

تعتبر أغنية «أنا قلبي إليك ميّال» من جهة أخرى نوعاً من الطقطوقة في الغناء العربي، كما يقول عنها الموسيقار الراحل محمد الموجي، وتعتبر الأغنية أيضا من أجمل أغنيات الطرب الشرقي الأصيل، مقامها المليء بالحنين «الرصد» مع حجاز النوى، هو أحد أهم الأسباب في نجاحها المتلائم مع نصها. ويعد مقام الرصد، وتحديدا في الـ«سوزناك»، من أرق وأنعم مشتقات هذا المقام بخليط أقرب للتركي والعربي، جعلها تظل واحدة من أفضل الأغنيات لدى طرحها في برنامج «ما يطلبه المستمعون» في إذاعة «صوت العرب» منذ تسجيلها عام 1956م (سنة العدوان الثلاثي على مصر).

تقول كلمات الأغنية:

أنا قلبي إليك ميّال… وما فيش غيرك عالبال… انت وبس اللي حبيبي… مهما يقولوا العزال

وبحبك قد عيني… حتى أكتر منها شوية… واسألها انت وحلفها

على طول ح تقولك هيَّ

والدنيا انت بهجتها… والبهجة انت فرحتها… والفرحة انت يا حبيبي

حلاوتها وابتسامتها

ومليت الدنيا عليا… ود وحب وحنية… خلتني أحب الدنيا

طول أيامي ولياليا

ونذكر هنا أنه عندما جاءت فايزة أحمد إلى القاهرة كانت يومها متزوجة من مختار العابد، والد ابنتها فريال المتزوجة حالياً من الفنان أحمد السنباطي (ابن رياض السنباطي)، ولها منه رياض وفايزة.

الخلاف مع عبدالحليم

ذاع صيت فايزة أحمد بسرعة، وانتشر اسمها كالبرق، وأعطاها كبار الموسيقيين ألحاناً، فأطربت فايزة أحمد الجمهور بأغانٍ ناجحة، وأكمل محمد الموجي مشوار التعاون بأغنية «يمّه القمر ع الباب» و«بيت العز يا بيتنا». أما فريد الأطرش فقد لحن لها «يا حلاوتك يا جمالك»، ولحن لها بليغ حمدي أغنية «ما تحبنيش بالشكل ده». ومن ألحان كمال الطويل غنت «أسمر يا اسمراني» التي قُدّمت بصوتها فقط في فيلم «الوسادة الخالية». لكن بطل الفيلم عبدالحليم حافظ استعذب الأغنية وأخذها لنفسه، وصار يغنيها في الحفلات ونسبت إليه، ما أثار حفيظة فايزة أحمد. وقادت تلك الحادثة العلاقة بين عبدالحليم وفايزة إلى خلاف استمر فترة من الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى