أخبارفنون

شاعر التمرد والحزن الذي سكن الإنسان العربي (13-16)

سجل الماغوط، خلال حياته الأدبية ومعرفته القريبة والبعيدة بعدد من الشعراء، آراء متباينة حول ما قدموه من شعر وأدب، وعن علاقاته الشخصية بهم، إذ أغنى كتبه بسيرهم، ومنهم أدونيس وأنسي الحاج ومحمود درويش ونزار قباني ويوسف الخال وزكريا تامر وشوقي أبي شقرا وغيرهم، وقد تحدث عنهم الشاعر في كتبه مقالاً أو شعراً، وخاصة في كتابه «شرق عدن غرب الله»، الذي كرم فيه والديه ومعظم أصدقائه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الماغوط كان صريحاً جداً في أقواله وينقل عنه الكثيرون أنه عندما يتحدث عن الذين يعرفهم لا يمكن أن يجامل.

امتدت علاقة الصداقة القوية والقرابة (من ناحية الزوجة) بين محمد الماغوط وأدونيس فترة طويلة من الزمن، على الرغم من اختلافهما في بعض الأمور، فكل منهما شاعر مهم وله جمهوره ومنتقدوه على نطاق واسع، ونستذكر المعرفة الأولى بينهما، والتي حصلت في السجن، وربما كانت سببا أساسيا في توطيد العلاقة بينهما ومن ثم القرابة، أما ما كتبه الماغوط عن أدونيس فكان اختصارا لكل تلك السنوات الطويلة، معبرا فيه عن قيمة كبيرة للشاعر السوري أدونيس، حيث يرى أن مشكلة أدونيس تكمن في أنه معلم في الشرق، وتلميذ في الغرب، متسائلا: لماذا كل هذا التنظير للقصيدة، وماذا يعني القارئ إن وضعت كلمة أو حرفاً على يسار حرف، أو نقطة على خصر نقطة، إذا كانت السجون والمستشفيات والأرصفة تغص بروادها؟! أنا لا أحب القصيدة الفكرية، ولا أفهم شعر أدونيس.

وتحت عنوان «حرب النظارات» في كتاب «شرق عدن غرب الله» يقول الماغوط:

أنا برداء العروض

وحمى السجع

وهذيان المقامات والربع الخالي

ولولب في رحم هذه الأمة

لتكف عن الإنجاب:

صحراء إثر صحراء

ونخلة إثر نخلة

وسرابا إثر سراب

وحزيران إثر حزيران

لهذه الطغم والشعوب الفاسدة والمفسدة!

أدونيس… أيها النسر المتواطئ مع أعتى الرياح والعواصف

أنا معك حتى الموت في مسيرتك المظفرة

تحت وابل من القشع والسعال

والقيح المعمم كالبيانات الرسمية

وسُجل للماغوط ضمن مقال في صحيفة الحياة الجديدة عن رأيه وقتها بأدونيس، معتبرا إياه شاعرا كبيرا، ولكنه أضاع نفسه في الخارج، يتحدث عن الوطن وهو بعيد عنه ويحاول أن يوهم نفسه والآخرين بأنه ممنوع من الدخول إلى الوطن، وهو في الحقيقة غير ممنوع، إنما ليثير نوعا من الدعاية، ولولا هذه التصرفات الصغيرة لكان أفضل بكثير. أدونيس يكون أكثر أهمية وعظمة في بلاده، في شعره أصالة، ولهذا لا يمكن أن يكون غريبا.

أما أنسي الحاج فكان، كما قال الماغوط، الأكثر قربا منه ويحبه كثيرا، مؤكدا أن لديه طاقة جبارة، ولكن يراه الماغوط كناقد أفضل منه شاعراً.

في حين كان رأيه بالشاعر الفلسطيني محمود درويش فيه نوع من المفاجأة، إذ يعتبره الماغوط من دون شك أنه شاعر موهوب، ولكنه يميل مع الحدث، ويتغير بتغير المرحلة، وهذا يعني أنه غير صادق.

نزار قباني

كانت معرفة شاعرنا بنزار قديمة منذ فترة خدمته العسكرية، عندما كان نزار يسأل عنه في مقهى الهافانا الدمشقي، ويستغرب وجود شاعر يكتب بتلك الطريقة أثناء الخدمة الإلزامية، وبعد سنوات طويلة من العطاء الكبير للشاعرين ترسخ لدى الماغوط رأيه الخاص بما قدمه نزار قباني من شعر، ويرى الماغوط أن شعر نزار قباني المنفعل بالأحداث لا يختلف عن أي تصريح رسمي لأي مسؤول حكومي في العالم العربي. وهو في شعره الثوري كأنه ياسر عرفات أو المطران كبوجي. وهو في جلساته الخاصة كأنه بائع على بركات الله في جونية أو الأشرفية.

يعتبره شاعرا كبيرا بقضايا صغيرة… معتقدا أن مأساته تتمثل في أنه لا يحب ولا يكره، لذلك تبث الأزمات معظم أشعاره. ويتذكر مرة قال له نزار: أنت أصدقنا! وفي كتابه «شرق عدن غرب الله» يتحدث عن علاقته بالقباني، قائلا: تعرفت على نزار قباني في مقهى الهافانا والبرازيل والكمال الصيفي والشتوي، أنيقا كخط كوفي، وأسلوبه في تحقيق أهدافه وأحلامه بدائي كجرائم الهواة، غزيرا كإبر الجدات والساحرات في حارات دمشق وسبأ وغرناطة… جرحا سطحيا في جبهة الشعر العربي، ولكنه جرح مهيب وساحر!

ويتابع الماغوط: بدعوة من الصديق المشترك رياض نجيب الريس التقينا في لندن عاصمة الضباب، واختصتنا سونيا فارس أشهر مصممة أزياء في باريس مع أخت تشكيلية نسيت اسمها بعد كل هذه السنين… وإذا بنزار يخرج من المطبخ على صدره مئزر مزركش طالبا مني النهوض لمساعدة المضيفتين، فقلت له: والله ما جئت من سلمية إلى دمشق إلى بيروت وسجنت في المزة والشيخ حسن والمية وجعت وتشردت وقملت كل هذه السنين لأقشر البصل والثوم في إحدى شقق لندن المجهولة! فنعتني بالمتخلف والبدوي والنوري والقرباطي وبسوء التربية. وهو لو جاع أو تشرد أو أمضى ليلة واحدة من حياته في سجن أو مخفر، أو يوما واحدا من خدمة العلم بألفاظ المدربين المعهودة لكان رامبو العرب بلا منازع، ومأساته الكبرى أنه كتب عن حرب السويس والعدوان الثلاثي وعن أهم القضايا العربية والدولية والوطنية والدينية والتكتيكية والاستراتيجية، بقلم حمرة!

أما السياب فكان الماغوط دائما يشبهه بنفسه، بسيطاً وصادقاً، لكنه كان يبيع الصدق ولا يشتري إلا الأكاذيب.

بينما يرى الماغوط أن البياتي بنى كل أمجاده الأدبية والسياسية على أساس أن جميع أجهزة الأمن في العالم تطارده، في حين أنه لم يدخل مخفراً في حياته، ولم يعترض طريقه ولو شرطي مرور.

يوسف الخال

لم تكن معرفة الماغوط بيوسف الخال صدفة، ولم تكن عادية أو عابرة، بل أنجزت تلك المعرفة نتاجا أدبيا كبيرا أثرى حياة الماغوط، وخاصة في بداية مشواره المتعثر الذي كان الخال أحد أهم أسباب استقامته في مراحل انتشاره الأولى، وعندما كتب الماغوط عنه اعتبر أن طموحات يوسف الخال كانت أكبر من طاقته، وهو كإنسان أهم من شعره بكثير، وفي كتابه «شرق عدن غرب الله» يقول عنه: يوسف الخال… أنت من احتضنتنا بأسمالنا، وقملنا، وجوعنا، ورعبنا، ودموعنا، ولسعات السياط على ظهورنا، من البلاد التي جئنا منها.

وأعطيت لكل منا: سقفا ليقيم… ورغيفا ليأكل… ودفترا ليكتب… ووسادة ليحلم… نعم أنت المسمار المقتلع من إحدى راحتي سبارتاكوس لتعلق لوحة لرفيق شرف الحافي القدمين بين أعمدة بعلبك وخرائبها… وأي شيء للعطار الأمي أبو صبحي التيناوي في بزورية دمشق… أو على الجدران التي ضمت بشائر النبوغ والإبداع في الشعر والنثر في صحاري هذا الشرق اللانهائية.

كان الماغوط يختلف دائماً مع سعد الله ونوس، هو يريد الحرية والماغوط على العكس، مؤكدا أن القمع هو الأم الرؤوم للشعر والإبداع، ويشير إلى نفسه بأنه «كلما كنت خائفا أبدع»، ولديه احتياطي من الخوف لا ينضب مثل البترول تماما، ويحب المجابهة والتحدي كثيرا. وفي السياق يقول في إحدى قصائده:

طفولتي بعيدة… وكهولتي بعيدة

وطني بعيد… ومنفاي بعيد

أيها السائح… أعطني منظارك المقرب

علني ألمح يدا أو محرمة في هذا الكون

تومئ إلي

صورني وأنا أبكي

وأنا أقعي بأثمالي

أمام عتبة فندق

واكتب على قفا الصورة

هذا شاعر من الشرق

نعم لقد كرس الماغوط حياته للشعر فقط، ويؤكد ذلك روايات قصها شقيقه عيسى في كتابه، وفي إحداها يروي عن لسان الشاعر السوري أدونيس أنه قال مرة: إن المتنبي أخطأ في سعيه لمنصب سياسي، لأنه بقي خالداً بدون منصب، بينما طوى النسيان أصحاب المناصب. ومحمد الماغوط لم يقع، بنظر شقيقه، في خطأ المتنبي. وفي موضع آخر يضيف أن شقيقه محمد عاش في بيروت جائعا على الدوام، وأن حذاءه كان مثقوبا، ولا سجائر في جيبه، في حين كان نزار قباني يكتب عن الدانتيلا. أما هو وزكريا تامر فقد كانا لا يجدان بساطا ينامان عليه، وإن زكريا عندما كان يكتب يقرب عينيه ليلاحق الورق.

وكما يروي محمد الماغوط لشقيقه فإنه كان في بيروت جائعا هائما على وجهه، ومفلسا طبعا، فقصد منزل المخرج يعقوب الشدراوي عند الفجر ليطلب منه دفع حصته من المسرحية التي ألفها له. تشاجر مع الشدراوي حتى قبض ما طلبه. وبينما كان جائعا أيام عرض المسرحية، كان رئيس الجمهورية سليمان فرنجية يحضر العرض. ويضيف عيسى متحدثا عن أيام الماغوط في لبنان مع الشاعر يوسف الخال، الذي كان يذهب إلى بيته، لكن لم يكن يهمه ما يدور عنده من أحاديث وتنظيرات، وإنما يذهب إلى المطبخ ليأكل ما يجده من طعام ثم يجلس مع المتحادثين، بعدها يذهب إلى غرفة نوم أخرى لينام.

زكريا تامر

خاض الماغوط معارك حياتية صعبة وجميلة برفقة صديقه الكاتب زكريا تامر، الذي ترك فيه أثرا طيبا لما كانا يتقاسمانه من مر الحياة وحلوها معا، ولم يكن الماغوط يرى مناسبة ليفتخر بصديقه إلا ويستغلها كاملة، وهو في كتابه «شرق عدن غرب الله» يعتبر أن زكريا تامر ملك السخرية والقصة القصيرة في العالم؛ يعرف ويلم بكل شيء على سطح الكرة الأرضية من الزراعة والصناعة والكيمياء والفيزياء، إلى الأدب والأديان، إلى الفلسفة والعلوم الطبيعية والنفسية، ويصف الأدوية لكل العلل والأمراض، وقد يعطيك بعض منها من تركيبه الخاص ولكن على مسؤوليتك! ويعرف ألف طريقة للقراءة والكتابة وحتى السباحة والرياضة، وألف طريقة أخرى لتقشير الفاكهة والخضراوات، ماعدا تقشير أو تقميع البامية فلا يعرف إلا طريقة واحدة حفظها عن أمه، رحمها الله، وطلبت منه المحافظة عليها من أجل سمعة الحارة! ولكنها اصطدمت بطريقة زوجته، التي ورثتها عن أجدادها الأتراك وطلبوا منها الاستمرار فيها مهما ارتفعت أماكنها ومواقعها. يقول الماغوط: كاد الطلاق يحدث بينهما من أجل البامياء، لولا وصولي في الوقت المناسب إلى شقتهما المستأجرة في حي الإطفائية التجاري في دمشق، فيا أيها الفلاحون والخبازون وخاصة الحدادين زملاء المهنة القديمة: خفوا عن هذا النيزك المقهور.

شوقي أبي شقرا

لقد اتسعت معارف الماغوط كثيرا خلال حياته في لبنان والعمل فيه، رغم مدتها القصيرة، واكتسب فيها صداقات أكسبته الكثير، ومنها صداقته بالشاعر شوقي أبي شقرا الذي اعتبره مرشده اللغوي، فقد كان له عالم ومزاج آخر؛ حبيبته وملهمته دائما من الفواكه والخضراوات المتوافرة والسهلة الهضم: تفاحة… دراقة… بطيخة… حبكة رواية… سعال دجاجة!

وهو نفسه يشبه الموزة التي يكتب عنها… أو الحورة التي كانها… ودائما يعطينا الفرصة الكافية قبل أن نتكلم… كالرعد المتمهل… أو الطوفان الحسن النية… دائما في الظل إذا جلسنا… وفي الزاوية الميتة إذا تحلقنا… وفي المؤخرة إذا تنزهنا. وعندما خذله الشرق بعد أن تحضر، والغرب بعد أن توحش لجأ إلى معلمه الروحي يوسف الخال في أحد المقابر، ولكن دون أن يوجه إليه أية شكوى أو سؤال، منتظرا أن تأتي المبادرة منه احتراما لمقامه المنسي بين الحشائش والصلبان الغبراء!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى