يقول روبرت فروست يتألف العالم من شقين: «أناس لديهم ما يقولونه لكنهم لا يستطيعون، وأناس ليس لديهم ما يقولونه ولكنهم لا يسكتون»! وفي سياق مماثل يقول برتراند راسل: «‏مشكلة العالم أن الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائماً، ‏أما الحكماء فتملؤهم الشكوك...»! الشك نصف المعرفة والصمت نصف الحكمة، أما الثقة فنعمة ونقمة في الوقت نفسه، نعمة حين تكون الرافد لأشياء جديدة وأفكار جديدة، ونقمة عندما تزيد الجاهل جهلاً وتزعج الجميع بثرثرته حتى يصدقوا الجاهل ويكذبوا الحكيم... وهكذا كان منذ سلمنا دفة قيادة المجتمع لمجموعة من الثرثارين الواثقين من جهلهم الذي تحول يقيناً بفضل سذاجة المجتمع وتسامحه وبساطته التي جعلته يصدق كل ما يسمع ويقول كل ما يسمع، لأنه يصدقه مهما كان سطحياً ومحدوداً، حتى بات نجاح شخص تافه دليلاً على تفاهة المجتمع وانشغاله في التفاهات، معتقداً أنها أمور جوهرية لشدة تكرارها في مقابل صمت الحكماء وتخليهم عن دورهم في قيادة الرأي، لأن أحداً لم يأخذ رأيهم حتى ظن الرأي العام أن لا رأي لهم.  ليس كل صامت جاهلاً، ولا كل متحدث عالما وإن بدا ذلك ظاهرياً ممكناً. يتحمل المثقف مسؤولية تثقيف نفسه ولا يتحمل مسؤولية تثقيف المجتمع، فالثقافة عملية اختيارية لا إجبارية، والثقافة ليست للجميع مثلها مثل القراءة والكتابة. فالقراءة ليست للجميع، ولكن لمن يفهم فقط ويعي المعاني ومثلها الكتابة، فليس كل من يقرأ كاتباً ولكن يجب أن يكون كل كاتب قارئاً، فإن توقف عن القراءة فليتوقف عن الكتابة ويلوذ بالصمت إن لم يكن لديه ما يقوله أو عجز عن قوله. فليس المهم أن تحكي من دون أن تقول أي شيء، لكن الأهم أن تقول شيئاً، فالعالم يتألف من شقين: ناس تقرأ كل يوم كتاباً وناس تصوّر كل يوم «سناب».  reemalmee@

... إقراء المزيد

مازلت أتذكر أيام كنت صغيراً، صغيراً بما فيه الكفاية للنظر لأقاربي ممن بلغ الثامنة عشرة واستخرج رخصة لقيادة السيارة... على أنهم كبار... كثيراً!  لن أبالغ في وصف مميزات الزمن الذي مضى وأتغنى بعصر انتهى، له ما له وعليه ما عليه، إلا أن تصاريف الزمان تثير في نفسي دهشة كبيرة، فبحسبة بسيطة، أجد نفسي وقد وصل بي العمر لأن أكون أكبر حالياً في السن مما كان عليه والدي ووالدتي وكثير من أقاربي عندما مرت بهم تجارب مؤثرة. فوالدي الراحل لم يتجاوز الحادية والعشرين عندما أنجبني، ووالدتي لم تتجاوز العمر نفسه عندما فقدت شقيقي في حادث مأسوي، وكلاهما لم يتجاوزا بداية الثلاثينات من عمرهما عندما وقعت كارثة الغزو!  كل تلك التجارب وغيرها مرت بأقاربي في عمر كنت أنظر له على أنه عمر كبير وبعيد عني، وكنت أتساءل دوماً عما ستكون عليه الحال عندما أصل لعمرهم وأرى الحياة من زاويتهم، ومازلت أتذكر ابتسامة والدتي عندما أسر إليها بتساؤلاتي تلك وهي تتمتم بصوت منخفض... «لاحق على هالسوالف»، مؤكدة لي أن العمر سـ «يعدي» سريعاً وسأجد نفسي كهلاً فجأة، وعندها سأرى نفسي مازلت صغيراً، و«ما شفت شيء في الدنيا»... وكم كانت والدتي محقة! نعم كانت محقة، فالأيام تسابقت في رسم خطوطها وملامحها على وجهي وبياض شعري، حتى أفقت فجأة على حقيقة أنني قد تجاوزت عتبة السنين الأربعين بقليل، وهو عمر مفصلي كنت أقرأ الكثير من النصوص الدينية والروايات المختلفة حوله وأتخيل حقيقته وكنهه، حتى إذا وصلته تبين لي أن الكثير مما قيل عنه هو صحيح تماماً... والكثير أيضاً... غير صحيح!  فهمت الآن لماذا يعتبر الكثيرون هذا العمر بمثابة المحطة التي تنتصف مسار الأفراد. فبمجرد وصولك لسن الأربعين، تبدأ الأمور كلها بتوضيح نفسها أمامك بما يمكنك من قراءة الماضي وفك شيفرته وفهم تعقيداته، لتشطب من حياتك الكثير مما علق بها من تجارب واهتمامات، وأفراد أحياناً، تبين لك ضررهم أو عدم فائدتهم، لتبدأ مسار النصف الثاني من حياتك بنضج يتوجه الاهتمام بالأشخاص والأمور ذات الأهمية الحقيقية في تقدير الفرد منا، فـ «ما عاد في العمر كثر اللي راح» لنشغل أنفسنا بما ليس منه فائدة أو بمن لم نتلق منهم غير الألم والإحباط!  الملفت لنظري أيضاً، هو أن هذا الشغف بالأعمار التي لم أصل إليها ما زال مستمراً، فمازلت أجول بالنظر في حياة كبارنا أطال الله في أعمارهم، متسائلاً عما يمكن أن تكون عليه حياتهم ونظرتهم للأمور في عمر السبعين والثمانين، لكن الفرق الآن هو أنني أدرك أن التفكير الطويل في ذلك الأمر لن يوصلك للنتيجة الشافية كما ستفهمها عندما تصل حقيقة لذلك العمر، مسترشداً بتمتمة والدتي الغالية وهي تقول مع دعائها لي بطول العمر... «لاحق... على هالسوالف»! alkhadhari@gmail.com Twitter: @dralkhadhari

... إقراء المزيد

كتبت مقالة منذ أكثر من خمس سنوات، بعنوان «الحكومة وغياب الرؤية السياحية الوطنية»، وذكرت أهمية تنمية السياحة المستدامة لكي تكون رافداً للاقتصاد الوطني، وكيف أصبحت الدول التي لا تمتلك مقومات السياحة تخلق قطاعا صناعيا سياحيا مستداما مضمون الأرباح والعوائد، سواء اقتصاديا او اجتماعيا أو حتى سياسيا... وكيف أن صناعة السياحة لم تعد وقفا على عاملي الطبيعة والمناخ، بل نجد ان المواقع التراثية والحضارية والتاريخية تشكل عامل جذب كبيرا، رغم قسوة المناخ، وأن تنمية قطاع السياحة يحدث انتعاشا وتنشيطا لقطاعات اقتصادية أخرى، كقطاع الحرف المهنية البسيطة المصاحبة للسياحة، فغالبية السياح تبحث في تاريخ الحضارات والشعوب وتحرص على اقتناء المقتنيات التاريخية والتراثية في أي بلد تزوره.  نجد أيضاً أن تنمية قطاع السياحة سيحدث انتعاشا وتنشيطا للقطاع المصرفي الذي يلعب دورا مهما في عمليات تحويل الأموال، والتي بدورها ستنشط الحركة المصرفية والتجارية وحتى العقارية، من خلال عملية شراء وبناء المرافق مثل الفنادق والمنتزهات والمنتجعات وغيرها.  وأيضا للسياحة تأثير ايجابي على الحياة المجتمعية، لأن الكثير من الأسر لديها خوف وقلق على مستقبل أبنائها وشبابها... فهناك شباب يحمل شهادات بلا وظائف، وشباب يحمل طموح العمل الخاص بلا فرص. ولكن مع الانتعاشة السياحية سيكون الشباب هم أصحاب الأفكار الجديدة والمبتكرة وسينتج عن ذلك فتح فرص العمل أمامهم وخلق طاقات علمية تعمل وفق أحدث الابتكارات والتقنيات، بهدف الوصول إلى سياحة جاذبة، ليست ترفيهية فقط وإنما أيضاً صحية وطبية وغيرهما.  هذه حقيقة وليس حلما، لأن الرؤية السياحية تؤكد ان هذا القطاع هو أحد مفاتيح حل مشاكل العديد من الدول، التي تتعامل بالمصالح وليس بالتاريخ المشترك للشعوب. فما يربط الدول العربية بالأجنبية وما يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، هو المصلحة والمنفعة، فاكبر مصلحة يسعى إليها العالم هي الاقتصاد وجني الأرباح والعوائد المالية.  فعندما يقام مشروع سياحي عالمي وتفتح فيه الأبواب للمستثمرين من كل أنحاء العالم، نجد الاتفاقيات والتعاون المشترك بين الدولة المعنية ودول اخرى... فلو تعرضت هذه الدولة لأي خطر خارجي، فان مصالح رجال الأعمال من الدول الأخرى ستتعرض للخطر نفسه، ما سيدفعهم للضغط على حكوماتهم من اجل التحرك وضمان مصالحهم واستثماراتهم في الدول المعنية... حقيقة هذه هي لغة الشعوب والدول الآن،لغة الأرقام والفوائد والعوائد البنكية والأرباح. والحمدلله اليوم، اكتب مقالتي هذه وقد وجدت السياحة الوطينة طريقها في خطة التنمية للكويت الجديدة 2035 والتي جاءت منبثقة عن تصور حضرة صاحب السمو أميرالبلاد الشيخ صباح الأحمد الجابرالصباح لرؤية دولة الكويت، بأن تكون «مركزا ماليا وتجاريا عالميا». وقد شملت تطويرالسياحة الوطنية في الركيزة السادسة تحت عنوان اقتصاد متنوع مستدام، حيث تمت صياغة سبع ركائز أساسية لتحقيق أهداف هذه الرؤية. وأخيراً،نتمنى أن تبقى المليارات التي ينفقها الكويتيون سنوياً في الخارج، بالداخل عن طريق تنمية وتطوير السياحة الوطنية المستدامة. Najat-164@hotmail.com

... إقراء المزيد

لمعرفة ما يجري في السياسة الخارجية التركية الإيرانية الروسية وقطبها تل أبيب، لا بد من معرفة مكونات المجتمع التركي الحديث الذي يحلّق بأكثر من جناح خصوصا بعدما اتضحت الخطوط العريضة لتركيا التي يراد لها أن تكون بوابة العرب والإسلام السياسي ووجهته لأوروبا والعالم الخارجي لاسيما بعد فشل مشروع «الربيع العربي» وانحسار ورتابة الطرح في قنوات الاتجاه المعاكس التي فشلت بتقديم البديل الناجح لأوضاع المنطقة، فضلاً عن رتابة الطرح الذي سئمت منه الجماهيرالعربية، بالإضافة إلى المفارقة الكبيرة بين الطرح الإعلامي وبين ما يجري على الساحة في تلك البلاد! واين موقع الاسلام السياسي ودعوة الاخوان المسلمين في تركيا؟ تركيا بعد السلطنة العثمانية:  إن الحديث عن تركيا عبارة عن الوقوف على محيط متلاطم الأمواج وسط رياح الأفكار والمناهج المتقلبة الاتجاه، حيث إن التاريخ ينبئنا بمحاورالاستقطاب والبؤر الفاعلة في الساحة، بدءاً بتكالب الدول والأحزاب عليها بعد تضعضع قوة السلطان عبدالحميد خصوصا بعد انضمام صهر السلطان، الداماد محمود باشا وولديه صباح الدين ولطف الله لجمعية الاتحاد والترقي بعد فرارهم إلى باريس أواخر عام 1889، وكان ذلك بمباركة جمعية الاتحاد والترقي وبروز دور اليونان وتحديداً سالونيك في مقدونيا التي كانت مسرحاً للدسائس الدولية والمشاكل الدائمة حيث برزت جمعية الحرية العثمانية التي تم تأسيسها في دمشق على يد عدد من الضباط المرابطين هناك ثم تبلور العمل بصورة أوضح بعد الاتصال بالمحافل الماسونية العاملة هناك التي تلقت التبرعات من اليهود الشرقيين (السفارديين) الذين نزحوا من الأندلس في القرن السابع عشر وأطلق عليهم بعد ذلك يهود (الدونمة) حيث استمر عملهم السري وسعيهم لإسقاط دولة الخلافة العثمانية. محاورالاستقطاب في تركيا:  جمعية الاتحاد والترقي جمعية سرية ولها أيديولوجية علمانية ومناهضة للخلافة تأسست 1889 من مجموعة من طلاب كلية الطب ثم تحولت إلى منظمة سياسية أسسها بهاء الدين شاكر بين أعضاء تركيا الفتاة في عام 1906 أثناء انهيار الدولة العثمانية ووصلت إلى سدة الحكم بعد الانقلاب على السلطان عبدالحميد في 27 أبريل 1909 ومن ثم ورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ما أدى إلى سقوطها وتقاسم الدول الأجنبية أراضيها.  حركة عبدالله كولن: أتباع مدرسة سعيد النورسي (بديع الزمان) الصوفي وهي حركة لها امتداد جماهيري واسع يتخطى حكومة رجب طيب أردوغان وهم أتباع بديع الزمان النورستاني الصوفي النقشبندي الماتريدي العقيدة المخالفين لأهل السنة والجماعة القائلين بأن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل ولا حاجة للرسل وأن التحسين والتقبيح ليس بالشرع وإنما بالعقل، وهذه أفكار المعتزلة نفسها.  ولا بد للإنسان من معرفة الحكمة في كل الأمور خصوصا أفعال الله تعالى وأن من شروط صحة الإيمان أن يعرف المسلم كل مسألة بدليلها العقلي والقطعي، ولا شك بأن هذا عين التطرف والغلو الذي جاء الشرع بخلافه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «مذهب أهل السنة والجماعة مذهب قيم معروف قبل أن يخلق الله تعالى أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ومن خالف ذلك كان مبتدعاً عند أهل السنة والجماعة». وسنتعرف على بقية التيارات الفاعلة بالساحة التركية في الأسبوع المقبل. dr.aljeeran2017@gmail.com

... إقراء المزيد

رتعاني بلدان المنطقة العربية الآن من هبوط خطير في مستوى العلم والتعليم والمعرفة. فالأمر لم يعد يرتبط فقط بنسبة الأميّة المرتفعة في بلدان عدّة، بل أيضاً بانحدار مستوى التعليم نفسه، وبهيمنة فتاوى ومفاهيم دينية تُعبّر عن «جاهلية» جديدة تُخالف حقيقة الدين ومقاصده. فمشكلة البلاد العربية، والعالم الإسلامي عموماً، ليست في مواجهة الجهل بمعناه العلمي فقط، بل أيضاً في حال «الجاهلية» التي عادت للعرب والمسلمين بأشكال مختلفة، بعد قرونٍ من الزمن توقّف فيها الاجتهاد وسادت فيها قيودٌ فكرية وتقاليد وعادات ومفاهيم هي من رواسب عصر «الجاهلية». هنا تصبح مسؤولية الحكومات ومؤسّسات المجتمع المدني، لا في تحسين مستويات التعليم ومراكز البحث العلمي فقط، بل بالمساهمة أيضاً في وضع لبنات لنهضة عربية جديدة، ترفع الأمّة من حال الانحطاط والانقسام والتخلّف إلى عصرٍ ينتهج المنهج العلمي في أموره الحياتية ويعتمد العقل والمعرفة السليمة في فهم الماضي والحاضر، وفي بناء المستقبل، وفي التعامل الصحيح مع ما يُنشر من فتاوى باطلة ومسائل ترتبط بالعقائد الدينية. وقد يرى البعض أنّ هذا الانحطاط في حال الأمّة العربية هو من مسؤولية الخارج أو الأجنبي فقط، وقد يرى البعض الآخر أنّ تردّي أوضاع الأمّة هو نتاج محلي فقط... لكن مهما كانت الأسباب، فإنّ النتيجة واحدة، وهي تحتّم تغيير حال الأمّة واستنهاضها من جديد على أسسٍ تحفظ لها وحدة أوطانها، وتُحقق التكامل بينها، وتضمن العدل والحرّيات لشعوبها، لكن تحقّق أيضاً تقدّمها وتطوّرها المنشود المبني على ثقافة عربية ذات مضمون حضاري قائم على مزيجٍ من العلم والمعلوماتية والمعرفة والحكمة معاً. فهناك من يعتقد بوجود «تنوّع ثقافي» في المجتمعات العربية، بينما الصحيح هو وجود ثقافة عربية واحدة تقوم على أصول ثقافية متعدّدة في المجتمعات العربية، إذ انّ الثقافة العربية منذ بدء الدعوة الإسلامية على الأرض العربية، وباللغة العربية، ومن خلال روّاد عرب، أصبحت ثقافةً مميّزة نوعياً عن الثقافات الأخرى في البلاد الإسلامية، وفي العالم ككل. فالثقافة العربية ارتبطت بالدعوة الإسلامية وبالمضمون الحضاري الإنساني العام الذي جاء به الإسلام وحرّرها من اشتراط العرق أو الأصل القبلي أو الإثني، وجعلها ثقافةً حاضنة واستيعابية لثقافاتٍ محلّية ولشعوبٍ تنتمي إلى أعراق وأديان مختلفة. الصحيح هو أنّ هناك «تنوّعاً ثقافياً» في العالم الإسلامي لكن ليس في المجتمع العربي، فهناك «تنوّع ثقافي» دائماً تحت مظلّة أيّة حضارة. إذ أنّ الحضارات تقوم على مجموعة من الثقافات المتنوعة، ويكون فيها ثقافةٌ رائدة كما هو حال الثقافة الأميركية الآن في الحضارة الغربية، وكما كان حال الثقافة العربية في مرحلة نشر الحضارة الإسلامية.  فالأمّة الأميركية هي الآن مجتمع مركّب من الأعراق والأديان والأصول الإثنية، لكن في ظلّ ثقافة أميركية واحدة جامعة تُعبّر عن هويّة أميركية يعتزّ بها الأميركيون بمختلف أصولهم. بينما البلاد العربية، والتي تملك أصلاً كل مقوّمات الأمّة الواحدة: (اللغة المشتركة - التاريخ المشترك - الأرض المشتركة - المصالح المشتركة والمصير الواحد)، فإنّها تعاني من حال الانقسامات والصراعات الداخلية التي تُهدّد وحدتها الوطنية، فكيف بهويّتها العربية المشتركة التي يخجل بعض العرب حتّى من الاعتراف بها! وهذا ما يُضعف الآن قضية الانتماء إلى ثقافة عربية واحدة مشتركة، وهذا ما يتطلّب أيضاً الانتباه إلى التلازم الذي يحصل دائماً بين ضعف «الهويّة العربية» وبين حال الانحطاط في أوضاع البلاد العربية. وهناك عاملٌ آخر يزيد من مأساة «الجهل والجاهلية» في المنطقة العربية، وهو «نزيف الأدمغة العربية»، حيث ترتفع سنوياً نسبة هجرة الشباب العربي إلى الخارج واستقرار عددٍ كبير من الكفاءات العلمية العربية في دول الغرب. لكن المشكلة أيضاً ليست في «المكان» وأين هي الآن «الأدمغة العربية»، بل في دور هذه الكفاءات العربية وفي كيفيّة رؤيتها نفسها ولهويّتها، وفيما تفعله أينما كانت لخدمة أوطانها. فقد كان لوجود عقول عربية وإسلامية في أوروبا وأميركا في مطلع القرن العشرين الأثر الإيجابي على البلاد العربية وعلى العالم الإسلامي، كما حصل في تجربة الشيخ محمد عبده وصحيفة «العروة الوثقى» في باريس، أو في تجربة «الرابطة القلمية» في نيويورك. فالسفر والمهجر ليسا مانعاً من التواصل مع المنطقة العربية والأوطان الأصلية أو مع قضايا الأمّة عموماً، خصوصاً في عصر «العولمة» و«المعلوماتية» الذي نعيشه، بل على العكس، فإنّ الحياة في الخارج قد تتيح فرصاً أكبر للتأثير والفعالية في «المكانين» معاً. في المقابل، هناك بعض «العقول العربية» مقيمة في المنطقة العربية لكنّها تخدم غير العرب، بينما نجد عدداً لا بأس به من «العقول العربية» مقيمة في الخارج لكنّها في ذروة عطائها للحقوق والقضايا العربية. فالمشكلة هنا ليست في «المكان» بل في «الدور» وفي «الفكر» وفي كيفية تعريف النفس وتحديد الهُويّة، تماماً أيضاً في أنّ المشكلة ليست في عدم حصول الجيل الجديد على شهادات علمية عالية، بل بغياب المعرفة التي تدفع أصحابها إلى الالتزام بخدمة قضايا أوطانهم وأمّتهم. فكم من أمّيٍّ (غير متعلم) يُحقق لنفسه المعرفة ويخدم التزاماتها، وكم من متعلّمٍ حائزٍ على شهادات عالية لكنه أسير عمله الفئوي فقط، ولا يُدرك ما يحدث حوله ولا يُساهم في بناء وتطوير معرفته وآفاقه الفكرية، ويكتفي بأن يتّبع «صاحب طريقة» أو «كتاب تفسير» فيه الكثير مما لا يقبله العقل ولا الدين نفسه. فهذا هو الفرق بين «العلم» و«المعرفة»، كما هو الفرق بين «الجهل» و«الجاهلية»!.  إنّ الإنسان العربي المعاصر هو إنسانٌ تائه، رغم ما حصل من تقدّم في العلوم والمعرفة و«المعلوماتية». فلا هو يعرف إلى أين يسير مستقبله، ولا حتّى مصير وطنه وأرضه ومجتمعه. هو شعور بالتّيه يسود معظم شعوب المنطقة العربية، فالحاضر مذموم والغد مجهول. لا الوطن هو الوطن المنشود، ولا الغربة هي الوطن البديل!.  أيضاً، الإنسان العربي يعاصر اليوم عالماً فيه هيمنة كاملة للإعلام ولمصادر «المعلوماتية» ووسائل التواصل الاجتماعي على عقول الناس ومشاعرهم ومواقفهم. فالناس في زمننا الحالي، وبمختلف المجتمعات، نادراً ما يتعمّقون في معرفة الأمور ويكتفون بالمعلومات السريعة عنها، بل أصبحت عقول معظمهم تعتمد الآن على البرامج الإلكترونية، حتّى في العمليات الحسابية البسيطة، وأصبحت آليات هذه البرامج هي صلات التواصل بين البشر بدلاً من التفاعل الشخصي المباشر، وكذلك ربّما في المنزل نفسه أو بمكان العمل المشترك!. هو الآن، في عموم العالم، عصر التضليل السياسي والإعلامي. فالتقدّم التقني، في وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية وإعلام الفضائيات، اخترق كلّ الحواجز بين دول العالم وشعوبها. وأصبح ممكناً إطلاقُ صورةٍ كاذبة أو خبرٍ مختلَق، ونشره عبر هذه الوسائل، لكي يُصبح عند ملايين من الناس حقيقة. فما يصنع «رأي» الناس في هذا العصر هو «المعلومات» وليس «العلم» و«المعرفة»، وهذا ما أدركه الذين يصلون للحكم أو يسعون إليه، كما أدركته أيضاً القوى التي تريد الهيمنة على شعوبٍ أخرى أو التحكّم في مسار أحداثها.  هنا أهمّية «المعرفة» التي يضعف دروها يوماً بعد يوم، وهنا أيضاً أهمّية «الحكمة» المغيَّبة إلى حدٍّ كبير. فبوجود «المعرفة» و«الحكمة» تخضع «المعلومات» لمصفاة العقل المدرِك لغايات «المعلومات» ولأهداف أصحابها ولكيفيّة التعامل معها. فـ «المعلومات» قد تجعل الظالم مظلوماً والعكس صحيح، وقد تُحوّل الصديق عدواً والعكس صحيح أيضاً. لكن «المعرفة» و«الحكمة» لا تسمحان بذلك. * مدير «مركز الحوار» في واشنطن Sobhi@alhewar.com

... إقراء المزيد

خلال التجهيز لفعالية ملتقى الثلاثاء الأولى عن التعليم وسبل تحسين مستواه، حاولنا أن نستأنس برأي أهل الميدان من أصحاب الخبرة في العملية التربوية موجهين ومديري مدارس ونقلها لكم لعل المهتمين بملف التعليم يولونها اهتمامهم. ملاحظات أهل الميدان حول ملف التعليم على عجالة ركزت على ضرورة فهم الكيفية التي يجب عبرها فهم طبيعة التداخلات في العملية التربوية، حيث ذكر البعض ان هناك جهات عدة تدخل في العملية التربوية وإليكم بعض ما ذكر من قضايا التعليم: المناهج: أجمع كثير على ان طريقة صياغة المناهج تشير إلى ان هناك أيادي خفية تسعى إلى تدمير التعليم فعلى سبيل المثال: منهج الرياضيات: مسائل الابتدائية تعجيزية! منهج العلوم: كتاب العلوم للصف الثالث ابتدائي يحتوي على مفاهيم تدرس في الصف الحادي عشر أدبي: كيف يحصل هذا؟ اللغة العربية: في المرحلة الابتدائية يدرسونهم الإملاء، وهم لم يدرسوا الأحرف والكلمات وتركيب الجمل! الشاهد٬ ان الأساس في تطوير المناهج هو تعليم الطالب/ الطالبة الأحرف والكلمات والجمل والمؤشر على فشل التعليم هو ان الطالب لا يستطيع كتابة اسمه في المرحلة الابتدائية. وعلى مستوى التعليم العالي٬ استغرب كثير منهم بقاء قرار وزارة التعليم العالي الخاص بإخضاع الطالب خريج الثانوية العامة لاختبار التوفل أو الأيلتس للحصول على بعثة خارجية، ونحن كما نعلم ان المتبع سابقا ان خريجي الثانوية العامة يقبلون في البعثات الخارجية حسب نسبهم المئوية ويلتحقون في معاهد لغة في الدول التي قبلوا في جامعاتها وبعد الانتهاء منها يتقدمون لاختبار التوفل أو الأيلتس، ومن الطبيعي ان الطالب لا يجتازه من أول مرة لكن مسألة إخضاعه وهو في الكويت لاجتياز الاختبار فأعتقد انه قرار خالفه الصواب إلا إذا كان يقصد منه إعطاء الأولوية لخريجي الثانوية الأجنبية أو ثنائية اللغة، كما جاء في السؤال البرلماني للنائب د. خليل أبل الموجه لوزير التربية والتعليم العالي قبل قرابة عام.  الزبدة: الكل أجمع على أن تطوير التعليم هو الأساس... والمرحلة الابتدائية وقبلها رياض الأطفال، هما نقطة البداية في إصلاح التعليم ولهذا السبب كان لملف التعليم أهمية بالغة لدينا في ملتقى الثلاثاء، وقررنا أن يكون الملتقى الأول حوله وأن نخرج بتوصيات من أهل الميدان ونتمنى أن يكون الملتقى فرصة مناسبة لقيادات وزارة التربية للحضور وتدوين ملاحظاتهم، وكذلك أعضاء اللجنة التعليمية البرلمانية وأولياء الأمور وكل من هو مهتم بملف التعليم. ومتى ما تمكن القائمون على العملية التعليمية من وضع مناهج تناسب قدرات الطلبة وتعلمهم الكتابة والقراءة في المرحلة الابتدائية، فسنكون حينئذ قد وصلنا إلى تطور في هذا الملف الشائك... الله المستعان. terki.alazmi@gmail.com  Twitter: @Terki_ALazmi

... إقراء المزيد

قصة واقعية ذكرها الدكتور خالد الجبير، أُستاذ جراحة القلب في المملكة العربية السعودية الشقيقة، القصة ذُكِرَت في الندوة الجماهيرية التي عُقدت الاثنين الماضي حول التوعية من الأمراض المزمنة، والتي أيضا شارك فيها الشيخ الفاضل الدكتور عثمان الخميس والسيد محمد ساري، وهو شاب متعاف من السرطان وداعم جيد للمرضى.  القصة واقعية حول مريض سعودي كبير في السن أُصيب بالسرطان وتقرّر علاجه بالكيماوي، الطبيب أخبره أن العلاج سيؤدي في الغالب إلى سقوط شعره...  الرجل الذي تعوّد على إطالة اللحية شعر بالحزن لأنه سيفقد شعر لحيته، فاشتكى همه للدكتور خالد الجبير، الذي نظر إليه وقال: هل تريد أن تُحافظ على شعر لحيتك؟ نظرالرجل إلى الدكتور وكأنه يستغرب سؤالا جاء من أجله. أكمل الدكتور كلامه قائلا: ادعو الله ألا يسقط شعر لحيتك. الرجل نظر إليه كمن فاته أمر وتعجب لماذا لم تخطر بباله تلك الفكرة، وبالفعل أخلص الرجلُ الدعاءَ راجيا من الله أن يحفظ له شعر لحيته، تلك اللحية التي اعتاد الناس على منظره بها... ربما كان يخشى إذا فقدها كثرة سؤال الناس أو ربما حب تلك السُنَّة النبوية التي لم يشأ أن يُحرم منها.  أكمل الدكتورالجبير: بعد انتهاء العلاج سقط شعرالرجل الذي في جسمه كله ما عدا لحيته، وتم لاحقاً شفاء المريض. هذه القصة الواقعية تعكس حقيقة الدعاء وأثره في تخفيف مصائب الدنيا ومنها المرض، ومثل هذا المعنى شاهدتُهُ مرات عديدة في حياتي المهنية خلال 35 عاماً قضيتُها كطبيب أورام.  السؤال الآن بمناسبة هذه القصة، لماذا لم ينجح بعض من المثقفين في التفريق بين حقيقة الإيمان ووهم الخرافة؟ وما السبب الذي يجعل البعض يتمسك بالماديات ويقدّرها ولا يهتم بالروح التي تعيش معه؟  هذه الأسئلة تعكِسُ الإشكالية التي يَعيشُها العقل الإنساني منذ خلق الإنسان، إشكالية خلقت نوعين من التطرّف: تطرفٌ في الماديات فلا يؤمن أصحابها إلا بما يُحسُّونه ويمسكونه بأيديهم رغم أنهم لا يُحسون بأنفاسهم ولا بدّقات قلوبهم التي تحفظ حياتهم. أما التطرّف الآخر فهو في التمسك بالخرافة بل وتقديسها على حساب العقل والمنطق. ألا ترى كثيراً من العامة يتمايلون لسَماعِ قِصص وخرافات تَهدِفُ إلى بقاء الإنسان رهينةً بيدِ مشعوذين يسلبونهم مالهم وعقولهم وأحيانا يستعبدونهم ليصبحوا آلات إجرام ضد بلادهم وضد أمتهم.  العاقلُ فقط هو من يُحسِنُ الموازنة، الموازنة بين العقل والروح والنفس، فتلك العناصر الثلاثة هي مكونات الإنسان، ونحتاج فعلا إلى أن نضبط التوازن بينهم حتى لا نحيا في إفراط ولا تفريط. kalsalehdr@hotmail.com

... إقراء المزيد

نظمت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS)، بالتعاون مع معهد الأبحاث البلجيكي للإلكترونيات الدقيقة (imec)، ملتقى كويت - «آيماك» الثاني، خلال اليومين الماضيين، تحت شعار «الطاقة ونُظم المعلومات والاتصالات - توليفة أساسية لنُظم طاقة مستدامة». وقد تمحورت جلسات الملتقى حول موضوعين متممين لبعضهما البعض... مهمين لمستقبل منظومة الكهرباء في الكويت، هما: توظيف وتمكين تقنيات الطاقة من أجل الحصول على شبكة كهرباء ذكية، وتطوير شبكات طاقة ذات مصادر طاقة متنوعة وموزعة جغرافيا.   ما دفعني لاختيار الملتقى كموضوع لمقال اليوم، هو مدى ملائمته من حيث التوقيت، وارتباطه من حيث المضمون، مع رؤية «كويت جديدة 2035»، ولاسيما ما يتعلق منها بمنظومة الكهرباء في مشروع تطوير الجزر الكويتية الخمس، حيث احتضن الملتقى محاضرات حول علوم وتكنولوجيات وابتكارات، يمكن توظيفها في رسم وتشكيل منظومة مستقبلية للكهرباء في الكويت، تكون لمصادر الطاقة مستدامة فيها نسبة انتاج كبيرة، إن لم تكن كاملة. منظومة متوافقة مع الرؤية الاستراتيجية لسمو الأمير حول تنويع مصادر الطاقة، واستخدام متنامٍ لمصادر الطاقة المتجددة، كطاقة الرياح والطاقة الشمسية، نسبة استخدام تصل في العام 2030 إلى 15 في المئة من اجمالي الطاقة المستخدمة محليا. انتاج الكهرباء في هذه المنظومة يفترض أن يكون من محطات متفاوتة في السعة الانتاجية والمصدر، ومنتشرة على نطاق الشبكة الكهرباء. فإلى جانب محطات إنتاج كهرباء مركزية، سوف تتم الاستعانة بمولدات كهرباء، من الطاقة الشمسية مثلا، مثبتة في المباني التي تستهلك فيها الكهرباء. لذلك، هذه المنظومة على درجة عالية من التعقيد والديناميكية.  وتباعا، مراقبتها وإدارتها تتطلبان وجود نظام متطور، معزز بأحدث تكنولوجيات المعلومات والاتصالات، لتسهيل وتحسين التناغم بين محطات ومولدات انتاج الكهرباء العديدة المتنوعة المتباعدة. وقد شمل الملتقى هذه الجزئية، عبر محاضرتين في شأن منهجيات حديثة لمراقبة حالة شبكة الكهرباء وإدارتها. كما تم عرض جهود كل من معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، ومعهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، في ذات المجال.  كما تم في اليوم الأول من الملتقى، استعراض أحدث التطورات العالمية في مجال خلايا السيلكون الشمسية ووحدات انتاج الطاقة الشمسية. وعرض الباحثون النتائج الأخيرة لمشروع التعاون بين جامعة الكويت ومعهد «آيماك» في مجال تطوير خلايا السيلكون وخلايا البيروفسكايتز (Perovskites) الشمسية. وحيث انه تتم الاستعانة عادة ببطاريات ذات قدرات تخزين كهرباء عالية، للتعاطي مع الطبيعة المتموجة والمتقطعة لمعدل انتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وللتغلب على التباين بين المعدلات اللحظية لإنتاج واستهلاك الكهرباء، لذلك حرص منظمو الملتقى على تقديم ورقة علمية حول آخر التطورات في تكنولوجيات البطاريات الصلبة في معهد «آيماك». كما تم الإعلان عن مشروع للتعاون بين المعهد وجامعة الكويت في مجال البطاريات الصلبة. وأما مدير عام «كيفاس»، الدكتور عدنان شهاب الدين، فقد تضمنت كلمته الاشارة إلى جهود المؤسسة في مجال تسكين تكنولوجيات الطاقة الشمسية في الكويت، وكان من بينها مشاريع تجريبية ناجعة لاستخدام الألواح الشمسية على أسطح 150 مبنى سكنياً، ومواقف السيارات في جمعيتين تعاونيتين. كما أعلن عن مشاريع جديدة، بالتعاون مع الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، للتوسع في استخدام الألواح الشمسية في 1500 منزل و10 تعاونيات. ما تم عرضه في الملتقى ابتداء بكلمة الترحيب في الجلسة الافتتاحية، ومروراً بالمحاضرات العلمية والعروض التكنولوجية في جلسات الملتقى، وانتهاء بالنتائج والتوصيات في الجلسة الختامية، جميعها يفترض أن تصل إلى المسؤولين عن رؤيتنا الاستراتيجية «كويت جديدة 2035» وتحديداً القائمين على مشروع تطوير الجزر الكويتية.  فمنظومة الكهرباء في ذلك المشروع المستقبلي، يفترض أن تكون مستدامة مقاربة لتلك التي استهدفت في الملتقى، من حيث استقطابها أحدث التكنولوجيات العالمية، خصوصاً تلك التي يشارك في تطويرها كويتيون ومراكز أكاديمية وبحثية وطنية. ومن حيث توظيفها تكنولوجيا فائقة الحداثة للمعلومات والاتصالات، من أجل مراقبة حالة المنظومة الكهربائية، وإدارتها، ومن حيث انتاجها للكهرباء من محطات منتشرة ومتفاوتة في سعتها، ومن مصادر طاقة متنوعة، ومن بينها الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل. لذلك أدعو المعنيين بمنظومة الطاقة في مشروع الجزر، بالتنسيق مع وزارة الكهرباء والماء، إلى التعاقد مع التحالف التكنولوجي المثمر بين «كيفاس» و«آيماك» والجامعة ومعهد الأبحاث، من أجل إعداد تصور مبدئي للمنظومة... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه». abdnakhi@yahoo.com

... إقراء المزيد

بكل بساطة يقوم البعض بإنكار الأمور الثابتة القائمة في العالم والإصرار على تشويه الحقائق التي أبهرت العالم وفرضت نفسها على الفكر الإنساني. هذا ما فعله الكاتب أحمد الصراف في مقاله بجريدة القبس بتاريخ 17/4/2018، حيث اعتبر أن «جامعة أوكسفورد البريطانية العريقة ستعقد مؤتمراً عن السلفية ومستقبلها في ديسمبر المقبل، وذلك بعد التحولات السياسية والاقليمية التي من شأنها وضع بداية نهاية الحقبة السلفية تماما في المنطقة وفي العالم». هكذا ببساطة قرر الكاتب نهاية الحقبة السلفية في المنطقة وأخرجها من الوجود، بل واعتبر أن جامعة اوكسفورد قد قررت عقد مؤتمرها عن مستقبل السلفية بعدما انتهت هذه الدعوة تماماً، والاصل هو ان يبحث الناس في شأن التيارات الصاعدة والمؤثرة في العالم لا في التيارات المنتهية والمتلاشية. ما عليك إلا أن تدخل على أي محرك بحث على الإنترنت وتكتب «سلفي» حتى ينزل أمامك آلاف المواقع التي تتكلم عن السلفية! بالطبع، فإن كثيراً من تلك المعلومات قد تكون متضاربة ولا تمثل واقع السلفية، والسبب هو أن الجميع يدّعي السلفية، لاسيما جماعات الجهاد الإسلامي و«داعش» و«القاعدة» وغيرها، لكن أتباع السلفية في العالم الإسلامي يعرّفون دعوتهم بأنها اتباع المنهج الصحيح في فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بحسب فهم السلف الصالح، ورفض المناهج المستحدثة التي أحدثها البعض لتشويه صورة الدين الإسلامي الحنيف. والسلفية لا ترتبط بالأنظمة الحاكمة ولا بالذين يقمعون شعوبهم باسم السلفية، بل لا بد من عرض المسائل على علماء الدين الذين اختصهم الله تعالى بفهم الدين لكي يفرقوا بين ما هو سلفي وما هو ادعاء على السلفية! لقد شوهت تلك الحركات المجرمة التي ظهرت في الآونة الأخيرة صورة الدين الإسلامي تحت مسمى السلفية، وانخدع بها ملايين المسلمين، وهذه من الفتن التي تجعل الحليم حيران، وللأسف، أن البعض قد استغل تلك الشبهات الكثيرة حول الدين الإسلامي ليسدد سهامه نحو العقيدة الصحيحة وليلبس على الناس دينهم! نحن لا نعلم ما سيناقشه مؤتمر أوكسفورد حول السلفية، لكننا على يقين بأن ضوء الشمس لا يغطيه غربال ولا يشوه صورته بعض الحاقدين على الدين الإسلامي، وخير للدول الغربية أن تناقش بتجرد قضايا الدين الإسلامي والسلفية وأن تستعين بعلماء المسلمين بدلاً من الاستعانة بآلاف المواقع الغربية التي تسعى إلى أن تدس السم في العسل وتحاول تشويه صورة السلفية التي هي الإسلام الصحيح الذي ارتضاه الله تعالى لعباده!

... إقراء المزيد

اختار لبنان المقاربة الشاملة للخروج من الوضع السيئ الذي يعاني منه والذي يمكن اعتباره أسوأ ازمة اقتصادية واجتماعية في تاريخه. لعلّ اكثر ما يعكس سوء الوضع كون لبنان بلدا يمتلك بنية تحتية متخلّفة لثلاثة ملايين نسمة، فيما يعيش فوق ارضه حاليا ما يزيد على ستّة ملايين نسمة. لم يكن هناك من خيار اسمه ترك البلد يراوح مكانه والغرق اكثر في مستنقع الفساد. كان لا بدّ من خيار مختلف يأخذ في الاعتبار حاجة لبنان الى إعادة تأهيل نفسه على كل صعيد في ظلّ ظروف داخلية وإقليمية اقلّ ما يمكن ان توصف به انّها معقّدة. لم يحصل أي تطوير للبنية التحتية منذ ما قبل العام 2000، أي منذ إيصال النظام السوري لاميل لحّود الى رئاسة الجمهورية في 1998 بغرض واحد هو شنّ حرب على رفيق الحريري، أي على كلّ ما له علاقة بالبناء. كان لا بدّ من رفيق الحريري كي يتوقّف مشروع الانماء والاعمار نهائيا ولا يعود في البلد اقتصاد منتج يتكفّل سدّ الدين العام ويزيد نسبة النمو.  لم يكن مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في باريس حدثا عاديا. كشف قبل كلّ شيء مدى رغبة المجتمع الدولي في مساعدة لبنان ممثلا قبل كلّ شيء بحكومته التي يرئسها سعد الحريري. ظهر لبنان في المؤتمر موحّدا. كان هناك وزراء يمثلون تيارات مختلفة حول الحريري الذي نسّق خطواته مع الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي. حصل لبنان على تعهدات بمبلغ 11،5 مليار دولار، كي ينفذ مشاريع حيوية تتناول كلّ ما يهم المواطن من ماء وكهرباء وطرقات وتوسيع للمطار واهتمام بالبيئة. فوجئ لبنان بحجم الدعم الذي حصل عليه بشكل قروض ميسّرة ومساعدات. لم يكن الامر يتعلّق باي دين يزاد إلى دين موجود. لا تتجاوز الفائدة على القروض الواحد ونصف في المئة ومدّتها 25 عاما مع فترة سماح يمكن ان تصل الى عشر سنوات. كان نجاح المؤتمر مفاجأة كبيرة ليس للبنانيين فحسب، بل لاصدقاء لبنان. لم يكن الجانب الفرنسي يعتقد انّ المؤتمر سيجمع اكثر من ثمانية مليارات دولار، لكنّ مساهمة البنك الدولي التي بلغت أربعة مليارات دولار شكلت دافعا قويّا للمجتمع الدولي كي يقتنع بان عليه الاستثمار في عملية إعادة تأهيل البلد من جهة والمحافظة على الاستقرار فيه من جهة أخرى. اقتنع البنك الدولي بكلّ بساطة بالرؤية التي قدّمتها حكومة الحريري الى المؤتمر، معتبرا ان ما تضمنّته هذه الرؤية من مشاريع، هي في معظمها مهمّة، بل من النوع الحيوي، تسمح له مواجهة الصعوبات التي يمرّ فيها. كانت رئيسة البنك الدولي كريستالينا جورجييفا في غاية التفهّم للوضع اللبناني، حيث رأت انّ «لبنان دفع دفع المُستحقّ عليه الى العالم، الآن على العالم دفع المُستحق عليه للبنان». كان هناك فريق عمل لبناني استطاع وضع الرؤية التي تجعل المجتمع الدولي والعربي والهيئات المختصة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد، يقتنع بفائدة دعم لبنان. فالرؤية اللبنانية ركّزت على إصلاحات هيكلية ووضع استراتيجية للقطاعات الانتاجية وتصوّر لكيفية تطويرها. الهدف تحقيق نمو مستدام وحقيقي وخلق آلاف فرص العمل، فضلا عن التوصل بالطبع الى خفض العجز في الموازنة من 9 في المئة الى 6،5 في المئة خلال خمس سنوات. كلّ ذلك في ظلّ حرب على الفساد. هناك الاقتصاد، لكنّ هناك السياسة أيضا. وهذا ما عبّر عنه الرئيس ايمانويل ماكرون الذي عرف في كلمة اختتم بها «سيدر» كيف يضع الازمة التي يعاني منها لبنان في اطار إقليمي ودولي، بما في ذلك الصراع الدائر بين الدول الكبرى.  لم يتجاهل ماكرون واقعا يتمثل في ان لبنان بلد استطاع تجاوز تجارب صعبة وبقي «ثروة» تجب المحافظة عليها بسبب التنوع والتعددية. تطرّق الى مشاركة فرنسا في القوة الدولية المرابطة في جنوب لبنان منذ أربعين عاما. خلص الى قول بضعة اسطر تعني الكثير بعدما أشار الى ضرورة تشكيل حكومة جديدة «سريعا» بعد الانتخابات النيابية في السادس من مايو المقبل. ختم الرئيس الفرنسي كلمته المؤثرة، التي تنمّ عن فهم عميق للوضع اللبناني ولما يدور في الشرق الاوسط من مآس، بالآتي: «اذا، فهمتم (ما هو مطروح). بمساعدة لبنان اليوم، نريد مساعدة كلّ المنطقة. انني مقتنع بشيء واحد. هذا الشيء هو اننا نساعد انفسنا كثيرا أيضا». حسنا، هبّ كثيرون لمساعدة لبنان. ستساعد السعودية بمليار دولار، عبر صندوق التنمية السعودي. وستساعد الكويت بنصف مليار دولار عبر صناديق تابعة للدولة الكويتية. يبقى السؤال هل يساعد اللبنانيون انفسهم خصوصا ان كلمة السرّ في مؤتمر «سيدر» هي الإصلاحات، مع ما تعنيه من حرب على الفساد، إضافة الى اشراك القطاع الخاص في عملية توسيع البنية التحتية وتطويرها والوصول الى صرف 17 مليارات دولار على هذه البنية وعلى مشاريع حيوية في السنوات العشر المقبلة. يضع «سيدر» الذي يعني «المؤتمر الاقتصادي للتنمية عن طريق الإصلاحات بمشاركة الشركات» كلّ الفئات اللبنانية امام مسؤولياتها. ليس سرّا الربط بين «الإصلاحات» و«التنمية» و«الشركات»، أي القطاع الخاص. سيعود السؤال الأساسي يطرح نفسه عاجلا ام آجلا. كيف حماية المؤسسات وتمكينها من القيام بالاصلاحات المطلوبة في ظلّ سلاح غير شرعي هو سلاح «حزب الله»؟ لا يمكن ان تقوم للبنان قيامة في المدى الطويل في ظلّ غياب احتكار الدولة للسلاح، الدولة ممثلة بمؤسساتها الرسمية، أي الجيش وقوى الامن الداخلي وحدهما. ما صنع لبنان في نهاية المطاف هو الحرية والتعددية في منطقة غيّب فيها العسكر ايّ نوع من القيم الحضارية التي تسمح بقيام دول حديثة تمتلك مؤسسات فاعلة وقضاء مستقلا واقتصادا قابلا للحياة والنمو. مرّ الكثير على لبنان. لا يزال البلد يقاوم رغم الوهن الذي تعاني منه مؤسساته ورغم انّه تحوّل الى «ساحة» إيرانية بعدما كان في الماضي «ساحة» فلسطينية وسورية. ليست امام لبنان خيارات كثيرة هذه المرّة. هناك مجتمع دولي وعربي قرّر مساعدته كونه مهمّا لاستقرار المنطقة. قرّر مساعدته ايضا لان حكومة الحريري استطاعت الخروج برؤية اقنعت المشاركين بمدى جديتها.  لبنان، بكل بساطة، امام امتحان جديد وربّما أخير. كيف يوفّق بين إعادة بناء مؤسساته وتطوير بنيته التحتية وتوفير فرص العمل لشبابه... وبين قرار ايران اعتباره «ساحة» في خدمة مشروعها التوسعي وحربها على الشعب السوري، «ساحة» تصفي عبرها حساباتها مع هذه الدولة او تلك؟

... إقراء المزيد