عقد الحياة

الخميس: 1 شوال 1439 - 14 يونية 2018 - 12:46 مساءاً فن و ثقافة
عقد الحياة

صورة أرشيفية

هل أنت ممن يفكرون الآن في الزواج أو من الذين يتأهبون لإتمامه؟
هل فكرت في بناء حياتك المقبلة على أسس بعينها تضعها نصب عينيك وتحرص على رعايتها كنبتة تزهر مع الأيام لتصبح جنتك الخاصة؟
هل فكرت لم يطلقون على إبرام هذا العقد: «ملكة» أو«كتب كتاب»؟ ولم يسموه عقد شراكة مثلا؟
لماذا لا يحرص المبرمون لعقود الزواج على وضع بنود ملزمة للطرفين تحفظ الحقوق بين الطرفين كما يحرصون في غيره من العقود؟
إنهم يتركون تفصيل ذلك في العلاقة بين الزوجين لهما معا، ليكون للطرف الأقوى منهم السيطرة والتحكم والقيادة، فإذا اختلفا وتعثرت الحياة، بحث كل منهما عن ثغرات في قوانين الأحوال الشخصية تسمح له بإذلال الآخر أو استعباده، ويسعى لسلبه حقوقه الإنسانية بشتى الوسائل.
ماذا لو ترك لك الخيار في وضع بنود عقدك بنفسك بالاتفاق مع الشريك على أساس من قاعدة عامة هي أنكما ستدخلان بعده في حياة مشتركة تكون مسؤوليتها ملقاة عليكما معا ؟ تلك الحياة التي ستبدعان معا في جعلها جنة خاصة يظلها السلام وتملؤها السكينة والمودة والرحمة.
ماذا لو تعاملنا مع الزواج من منظور مغاير؟ فغالبا ما يتزوج الشباب في سن العشرينات، ولو نظرنا للفترة التي تسبق ذلك، لوجدناها لا تشكل سوى أعواما قليلة جدا من حياة الفرد، معظمها هي مرحلة الطفولة، وبضع سنين فقط من الحياة الواعية تعيشها الفتاة والشاب قبل الزواج هي أيضا مرحلة متقلبة نوعا ما يعانيان فيها مشكلات مراهقتهما حتى يصلا لبوابة النضج التي يلجان منها إلى حياة يكونان فيها شريكين في بناء حياة هي الحقيقية في عمريهما والتي ترسخ في العمق القواعد الحقيقية لتجاربهما وذكرياتهما الباقية. 
ولنسأل زوجة مسنة ماذا بقي في ذاكرتها من تلك الفترة التي سبقت زواجها؟ إنها مجرد ذكريات طفولة باهتة، ومراهقة متقلبة، بينما الراسخ في وعيها كل ما يتعلق بالأولاد والزوج وعلاقتها بهم، وانشغالها بما يصب في مصالحهم ويشكل سعادتهم.
اذن والأمر هكذا، ألا يجب علينا ان نتعامل مع الزواج بصفته بوابة الحياة الحقيقية على هذه الأرض، وليس مجرد عقد انتفاع بين طرفين؟ ليس علاقة بين شخصين رجل وامرأة فقط ؟ ليس بصفته عقد نكاح وفق الصيغ المتعارف عليها؟
إن الزواج ليس لقاء بين شخصين يتشاركان أمرا محددا وفق عقد ما، ليس لقاء بين غريبين أصبحا فجأة قريبين وفق عقد، أو اختيارات تتداخل فيها رغبات الأهل أو المجتمع أو النمط السائد للعلاقات الأسرية، بل بوابة الحياة الحقيقية لهذين الشخصين، فلماذا نلزمهما أن يعيشا وفق شروط العقد الثابت المتعارف عليه؟
كل إنسان له حياته المختلفة في هذا العالم، له أفكار، رؤى وأحلام، توق خاص، لون متفرد يتمنى أن يصبغ به حياته.
لماذا إذا لا يكون لكل إنسان عقده الخاص الذي يجمعه مع من يحب أن يمضي بصحبته تلك الحياة، يبرمانه معا، يوثقان فيه أمنياتهما معا، أحلامهما، ركائز حياتهما التي سينعمان فيها بما يتوقان إليه؟ 
وإني أسائل نفسي بعدما خضت التجربة نفسها: ماذا لو عاد بي العمر حتى أقف هذا الموقف أمام أهم مفصل في الحياة الإنسانية، لأنه ببساطة المسؤول عن بناء حياة بين كائنين، من حقهما أن يعيشا في ظل ذلك بإنسانية، مسؤول عن إنتاج نماذج إنسانية أتحمل مسؤولية كبيرة في كونها بناءة أو هدامة؟
لو أتيحت لي الفرصة لأطلقت على عقد الزواج: «عقد الحياة»، ووضعت له بنودا ألتزم بها ولا أقبل أن يتجاوزها الآخر، هي الأهم مطلقا في نظري، ولحرصت أن يكون في شكله النهائي مبرما بين روحين مؤتلفين متفقين، بين كائنين هائمين التقت روحاهما فهبطا معا في نقطة مقدرة من هذا العالم، أن يشهرا هذا العقد في ما بينهما بوصفهما كائنان محبان يتمتعان بكامل الحرية، يدركان أن الحياة سفر قصير بين ميلاد وموت، وليس للإنسان إلا أن يستمتع برحلة الطريق قدر ما يستطيع، وبناء عليه اتفقا على أن يظل ما تبقى من رحلتهما على هذا الكوكب محكوم بما يلي: الحب كما هو لغة الله الحقيقية في خلقه. والحرية الحقيقية كما تمارسها الكائنات وكما تليق بالعقل البشري، لا كما هي مقيدة بقواعد ومتاهات الآخرين قديمهم وحديثهم. والإيمان بالحلم وإعطائه الأولوية، فلا حياة خارج أجنحته. واحترام كل الآمال والطموحات والرغبات الإنسانية، صغيرها الذي يولد في لحظة، وكبيرها الذي يشكل جزءا من أفق حياتنا. والتفكير دائماً خارج كل الأطر والأنماط المألوفة، التي لا وظيفة لها سوى تدجين أرواحنا ورغباتنا. واحتراف الصدق والشفافية المطلقة. والحرص على التفكير بموضوعية أمام أوجه الحياة وحق الانسان، ولا موضوعية إلا بإخضاع الذات لها أولاً. والاحتفاء بكل ما يمكنه أن يشعل جذوة التلاقي والائتلاف بين روحيهما.
هل في ذلك خروج على المألوف؟ خروج على أبسط احتياجاتي كإنسان؟
ماذا لو يأتي يوم يحق فيه لكل فرد أن يخط عقد قرانه بكل ما فيه من بنود تؤسس للحياة الحقيقية بحرية مطلقة؟
إنه سيكون بحق: عقد الحياة.
hanaank64@yahoo.com

إقراء المزيد