الأسر الافتراضية

الثلاثاء: 29 رمضان 1439 - 12 يونية 2018 - 04:10 مساءاً بـريــد الـقـراء
الأسر الافتراضية

صورة أرشيفية

في أولى حلقات مسلسل «بالحجم العائلي»، تشاجر يحيى الفخراني مع زوجته التي تلعب دورها ميرڤت أمين في المسلسل بسبب ظهوره «لايڤ» في «الفيسبوك» بصورة غير رصينة لا تتناسب ووضع الأسرة الاجتماعي. لكنه حين تابع «اللايڤ» بعد المشاجرة، سقط أرضاً «لايڤ» ونقل للمستشفى، فوجد عشرات المتابعين يسبقونه إليه في حين انشغلت أسرته الحقيقية عنه ولم تحضر إلا متأخراً.
في إحدى حلقات مسلسل «سيلفي»، لعب ناصر القصبي دور «شايب السناب»، وهي شخصية ساخرة. ورغم أنه لم يكن يكشف هويته لمتابعيه، إلا أن أبناءه استاؤوا من سلوكه المتصابي حتى كان يوماً اضطر لدخول المستشفى، فهجره أبناؤه، ما اضطره إلى كشف مكان وجوده لمتابعيه ففوجئ بالتفاف العشرات حوله ملتقطين معه صورة «سيلفي» جماعية.
«سيلفي» القصبي في «سيلفي»، عبّرت عن الصور العائلية في نسختها الجديدة المطورة والبديلة للصورة التقليدية التي انقرضت مع الزمن عندما احتلت الأسر النواة مكان الأسر الممتدة وانغلقت الناس على بعضها في عصر الانفتاح.
أصبح الأب يتابع أبناءه ليراقبهم ويشرف على تربيتهم عن بعد، والأخ يعرف أخبار أخيه التي اعتاد أن يخفيها عنه من متابعيه ويدعي عدم معرفتها.
«السوشيال ميديا» قرّبت البعيد وأبعدت القريب وكشفت كل شيء تقريباً، حتى النوايا، وشكراً لـ «الإنستاستوري» التي جعلتنا نرى الذين «يبققون» عيونهم على كل شاردة وواردة نضعها في حكايتنا، ويتسللون بمنتهى الجبن في حساباتنا من دون «لايك» أو متابعة أو أثر لمرورهم.
نرى القريب بعد سفر تابع تفاصيله، فيستكثر علينا «حمد لله عالسلامة» أو بعد خروجنا من مستشفى فيستكثر علينا «سلامات»، بحجة أننا لم نبلغه عن الأولى وذريعة أننا حتى في المستشفى لم نتألم بقدر سعادتنا بباقات الورد وصواني الحلوى التي صورناها.
البعض اختار طواعية أن يكون حسابه سلبياً ينشر التذمر والشكوى، لاعتقاده بأن ذلك يبعد عنه شرور الحسد ويجعله سعيداً بهدوء، فانفض من حوله الناس وراح يحسد السعيد على التفاف الناس حوله أكثر ما يحسده على سعادته.
أصل السعادة المشاركة، بل إن ادعاءها يحولها واقعاً (واسأل مجرب)، فالذي ينشر السعادة ليسعد غيره يسعد لسعادتهم فتعود له مضاعفة ويعوضه الله بغريب يدعو له بالسعادة لأنه أسعدهم، ليرد بها دعوة قريب يتمنى زوال سعادته التي هي سبب همه.
أكثر مدعي أن «السوشيال ميديا» آخر همهم، هم لا هَمّ لهم سوى «السوشيال ميديا»، وهم الذين يزدادون هماً بمراقبة الناس خلسة. أما المهتمون مرتاحون لوضوحهم وصدقهم، وهم حين يقولون «عليكم بالعافية» يتعافون من عقدهم النفسية والاجتماعية.
«السوشيال ميديا» لم تتسبب في تناقضنا يوماً، لكنها فضحت كل تناقضنا ووضعت المتلصصين والمتربصين في خانتهم الطبيعية بعيداً عن الأسر الافتراضية التي تشكلت، فصارت واقعاً يبدد وحدتنا ويساندها ويساعدنا، ليس فقط معنوياً، بل واقعياً... فمن قال إن العالم الافتراضي ليس عالماً واقعياً في الأساس؟

 reemalmee@

إقراء المزيد