حرية القلع!

الثلاثاء: 29 رمضان 1439 - 12 يونية 2018 - 04:09 مساءاً بـريــد الـقـراء
حرية القلع!

صورة أرشيفية

كثر الحديث في وسائل التواصل الاجتماعي عن تصريح أحد النواب حول جمعية الحرية الكويتية، ومطالبته وزيرة الشؤون بحل الجمعية بقوله: «اقلعوهم»، بسبب تغريدة لأحد أعضاء الجمعية قد تفسر بأنها مسيئة للثوابت الدينية.
  بداية، لست بصدد الدفاع عن عضو جمعية الحرية ولا عن تغريدته، فهو شخص كامل الأهلية حسب القانون الكويتي، ويتحمل مسؤولية أفعاله كاملة، لكنني لم أفهم سبب مطالبة النائب الفاضل بحل الجمعية، حيث إن الشخص الذي كتب التغريدة قد كتبها في حسابه الشخصي بصفته مغرداً وليس عبر حساب الجمعية أو بوصفه عضواً قيادياً فيها، فلماذا المطالبة بالعقوبة الجماعية عبر حل الجمعية في وقت ينص فيه الدستور - الذي أقسم النائب على احترامه - في المادة (33) على أن العقوبة شخصية، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية، في المادة (34)... ثم ماذا لو كانت لهذا الشخص عضوية في جمعية نفع عام أخرى أو في إحدى النقابات العمالية في الوقت نفسه، فهل سيطالب النائب الفاضل بحل تلك النقابة أو الجمعية أيضاً؟
   باعتقادي لقد بالغ النائب في مطالبه بحل جمعية الحرية الكويتية، كما بالغ بوصفه للمطالبين بالحريات بأنهم «منفتحون بالباطل ومجاهرون بالمعصية وينادون بحرية زائفة ونهج منحرف»، ولعل تلك المبالغة مقصودة بهدف التكسب الانتخابي واللعب على وتر العاطفة الدينية، خصوصا وأنها أتت في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان، وكانت نتيجتها فورية حيث جاءت ردود بعض المؤيدين لكلام النائب مرعبة جداً، فمنهم من قال بأنه لا يكفي «قلعهم» بل يجب حرقهم وآخر طالب بتعليق رؤوسهم في ساحة الصفاة! ومثل هذه التهديدات يجب أن يتحمل مسؤوليتها النائب الفاضل بسبب المبالغة في طرحه.
  كما قلت بداية المقال، لست مدافعاً عن رأي عضو جمعية الحرية ولا عن الجمعية نفسها، لكنني أدافع عن مبادئ أساسية وأصيلة يصونها الدستور، منها حرية الرأي والتعبير، وأن لا عقوبة إلا بجريمة، وأن العقوبة شخصية، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، فإن كانت تغريدة ذلك الشخص أو غيره تسيء للدين الاسلامي - الذي يصونه الدستور أيضاً - فالقضاء هو من يفصل في الأمر، وهو من يحدد نوع العقوبة حسب القانون، وليس النائب الفاضل أو وزيرة الشؤون.
   نحن نعيش في دولة يحكمها دستور وقانون، ولن نقبل بحكم شريعة الغاب حيث يأكل القوي الضعيف، لذلك يجب احترام الدستور من الجميع، وأولهم نواب الأمة الذين أقسموا على احترام الدستور وقوانين الدولة، وأقسموا على الذود عن حريات الشعب ومصالحه، فالدستور كفيل بحفظ حقوقنا جميعاً، فمثلما يكفل الدستور الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد والتعبير عن الرأي، فإنه يكفل أن تصون الدولة التراث الاسلامي في المادة (12)، ويفرض مراعاة النظام العام والآداب العامة على جميع سكان الدولة في المادة (49)، ويكفل حق الجميع بالتقاضي في المادة (166)، لذلك لا نقبل بتجاوز كل تلك الضمانات الدستورية والقفز عليها من خلال استخدام النائب لسلطته الرقابية وتهديده بالاستجواب لتحقيق مكاسب شخصية.
  في النهاية نتمنى من النائب الفاضل وزملائه النواب أن يلتفتوا للقضايا المهمة، فنحن نمر بأوضاع إقليمية حرجة تحتاج تقوية الجبهة الداخلية، في وقت يعاني فيه المجتمع من التعصب الطائفي والقبلي، والمطلوب أن يمثّل النواب مصالح الشعب وأن يكونوا هم صمام الأمان، في وقت قد تتعسف فيه الحكومة باستخدام صلاحياتها كسحب واسقاط الجناسي، نريد منهم إلغاء القوانين المقيدة للحريات، حيث وصلت سنوات السجن لبعض المواطنين لأكثر من خمسين عاماً بسبب تغريدة اعتبرت مسيئة لاحدى الدول، نتمنى من نوابنا الأفاضل أن يبروا بقسمهم باحترام الدستور وقوانين الدولة والذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله... لا أن يقلعوه!

dr.hamad.alansari@gmail.com
twitter: @h_alansari

إقراء المزيد