( طارق حجي ) : مشكلة ثقافتنا... في «صراع المحدثين والمحافظين»

الإثنين: 1 شعبان 1439 - 16 إبريل 2018 - 12:11 مساءاً فن و ثقافة
( طارق حجي ) : مشكلة ثقافتنا... في «صراع المحدثين والمحافظين»

حجي متحدثاً في كلية الآداب

قال المفكر المصري الدكتور طارق حجي «إن أهم مشكلة ثقافية في الحياة العامة المصرية منذ قرنين وربع القرن- أي منذ بدء الحملة الفرنسية على مصر، هي مشكلة ماذا تأخذ وما لا تأخذ من المجتمعات المتقدمة».
وأضاف خلال محاضرة بعنوان «صراع من أجل الحداثة» في جامعة القاهرة ضمن الموسم الثقافي لقسم الفلسفة في كلية الآداب «إن بعض المؤرخين يعتقدون أن هناك إرهاصات للاهتمام بموضوع الحداثة سابق حتى على الحملة الفرنسية، لكن أغلب المؤرخين يعتقدون أن نقطة البداية كانت بين الحملة الفرنسية وتولي محمد علي الحكم». وأشار حجي، إلى أن هناك صدمة حدثت للمصريين، فباتوا يتطلعون إلى الجهة الأخرى من البحر المتوسط آملين أن يحذوا حذو الشعوب التي تقدمت، ومنذ ذلك التاريخ وهناك فصول من الصراع الواضح بين أنصار الحداثة وبين رافضيها «المدرسة المحافظة».
وأوضح خلال المحاضرة التي حاوره فيها رئيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة الدكتور محمد عفيفي، وأدارتها رئيس قسم الفلسفة الدكتورة هدى الخولي- أنه منذ بداية القرن التاسع عشر هناك تحت سطح المياه- أي مياه المجتمع- هذا الصراع والذي يظهر على السطح من حين لآخر في شكل صدامات، فما بين سنة 1899 وسنة 1900 يصدر قاسم أمين كتابين «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» فينقسم المجتمع بين مؤيدين ومعارضين ومن بين المعارضين رموز يقدسها معظم المصريين، على سبيل المثال طلعت حرب كتب كتاباً ضد فكرة قاسم أمين في تحرير المرأة. 
واستطرد حجي، أن هذه الزوبعة وهذا الإعصار هدأ ثم في 1916 - الصراع تأخر لأسباب اجتماعية، حينما تأتي سيدة اسمها صفية السادات وتتزوج من الكاتب الشيخ علي يوسف فيذهب والدها إلى المحكمة ويقول إن ابنته غير محترمة لأنه صحافي ولا يتناسب مع مستواه الاجتماعي، وهكذا العائلات الكبرى قبل الثورة الفرنسية كانت لها علاقة بالأشراف والنسب وخلافه، فالسادات هو نقيب الإشراف في مصر والسادات بالتاء المفتوحة غير الساداتي، «الرئيس السادات»... كان عنده ياء وحذفها والياء معناها انه تبعهم أي من اتباع الشيخ السادات ليس هو ولكنه تفتق ذهنه ان حذف الياء لتضيف له كبرياء فحذفها الى ان جاء غريمه محمد حسنين هيكل وشهر بحذف الياء في كتاب «خريف الغضب».
ويكمل: «هنا حكمت المحكمة بالتفريق لعدم تناسب المستويين الاجتماعيين وحصل في المجتمع الشيء نفسه... انفصال بين من يؤمنون بالحريات والحداثة وبين من يؤمنون بالمحافظة ثم ندخل إلى العشرينات وتحدث صدمتان أكبر بكثير من الصدمتين الأوليين».
وفي شهادته لسنوات في حياة المصريين، أوضح حجي، إنه في هاتين الحالتين احتدم الصراع اكثر بكثير لدرجة ان القصر كان له موقف.
وأضاف حجي في  شهادته: «قبل مرور سنة، يأتي الجسور طه حسين من هذا المبنى في اشارة إلى جامعة القاهرة، ويكتب الشعر الجاهلي ويقول ألف باء البحث العلمي، ان الكتب الدينية لا تصلح للتأريخ، هذا كلام طه حسين، الامر يصبح تاريخاً بالحفريات او بالوثائق ولكن ليس معنى ذلك اننا ننكر، نحن فقط نقول انت تؤمن بذلك لأسباب دينية نحترم حقك في ذلك ولكن لتدرس هذا في كليات الأديان. لكن في قسم التاريخ لا أستطيع ان أدرس للطلاب شق البحر، لماذا؟ لأن ليس عندي أدلة من الحفريات او الوثائق، وهذا ألف باء البحث العلمي، هذا كلام كتبه اوجست كونت في كتابه دروس الفلسفة الوضعية قبل طه حسين بخمسين أو ستين سنة». 
ونقول أيضا: «كل ما لا يثبت وانت تؤمن به لأسباب دينية نحن نحترم حقك ولكن لا تأتي به الى الجامعة لأنك إذا ذهبت الى الجامعة به وكنت يهودياً متديناً او مسيحياً متديناً فأنت تؤمن بأن عمر الحياة اقل من سبعة آلاف سنة». 
وتابع: «كل المتدينين من الدين اليهودي والمسيحي يؤمنون ان الحياة على الارض عمرها اقل من سبعة آلاف عام، فَلَو قلنا لهم ان هناك اثارا عمرها ثمانية آلاف سنة يقول: لا طيب عندنا حفريات ووثائق يقول لا ولماذا ؟ تقول لا... إذاً نحن في صراع بين المحافظين والحداثيين ولهذا الصراع تجليات وجوهر المسألة هو ما نسميه بالحداثة الانتقائية».
وينتقل حجي، إلى ثمانينات القرن العشرين، ويقول: «كل رموز الثقافة حدث بينهم صدام وبين رمز ديني، زكي نجيب محمود توفيق الحكيم يوسف ادريس حدث بينهم صدام مع الشخص نفسه وانهزموا امام الرأي العام جميعاً، لأن الرأي العام مال بقوة الى الداعية الإسلامي الذي في الحقيقة بمعيار الثقافة هو اقل بكثير من الأسماء التي ذكرتها ولكن ماذا نفعل عندما نكون امام حرب العقل مع العاطفة، العاطفة ليس فيها مجال ان تقول للناس إن توفيق الحكيم واحد من اكثر المصريين معرفة بالثقافة الغربية والمسرح الغربي والفلسفة الغربية وإنه شرب الثقافة الغربية إبان سنوات إقامته بفرنسا وكأنه وُلد من اجل هذا وهو أصلاً ذهب كي يحصل على دكتوراه في الحقوق. أقام اربع سنوات مع الفنانين وظل ينهل من الثقافة وأصدر أهل الكهف وعودة الروح في عمر الخامسة والثلاثين، هذا يحدث صدام بينه وبين رجل دين اذا أعطيناه صفحة واحدة لنيتشه فلن يستطيع ان يقرأها ولكنه يكتسح». 
ويضيف: «الشيء نفسه مع يوسف ادريس وزكي نجيب محمود يعني فالأخير أقلهم تسيساً وقد يُتهم بشكل ما الآخرون بجرعة من السياسة لكن زكي نجيب محمود خالٍ من السياسة رجل لا يعنيه الا الفكر الدقيق». 
ويتابع حجي: «في 1992 قتل المفكر والكاتب المصري فرج فودة في واحدة من تجليات هذا الصراع... الذي قتل فرج فودة قتله باسم مدرسة المحافظين ضد مدرسة الحداثيين. المقصود بالحداثة هو الأخذ بأحدث معطيات العلم في كل مجالات العلوم وحتى هنا سيتفق معي الناس، الأخذ بكل معطيات العلوم في سائر مجالات العلوم التطبيقية والاجتماعية هنا سيبدأ الخلاف». 
ولفت حجي بقوله: «الخلاف يحدث عندما تعني الحداثة الأخذ ومواكبة معطيات العلوم في كل مجالات العلوم التطبيقية والاجتماعية يأتي المحافظون ويقولون لا احنا مش عايزين غير الماديات».
وأضاف: «عندما تقوم الدولة المصرية في صيف 2013 بفض اعتصام مسلح في رابعة فيقول إنسان يجلس على رأس اكبر مؤسسة دينية انا لم أُستشر... هذا صراع الحداثة مع المحافظين، تُستشر في ماذا ولماذا. ومن قال إن فض اعتصام مسلح في باريس او روما او في لندن يقتضي أخذ موافقة البابا، هذا قرار سياسي تتخذه الدولة للدفاع عن كونها دولة».
وقال حجي: «هذا الصراع هو الآن- في رأيي- على أشده وفي رأيي انه ليس في صالح القوى المحافظة كما تبدو الأمور لماذا؟ لأن معطيات العلوم الحديثة لا تعمل لصالحهم، وعندما يدخل الدين في السياسة معناها «كنترول» طرف يسيطر على طرف لأنه يأخذ من يده القدرة على الحوار».
ولفت، إلى أن «مجيء الإخوان الى الحكم في مصر شيء مفيد إلى أبعد الحدود، مفيد سياسياً وثقافياً لأنه أظهر على السطح أن هناك خلافا جذريا بين مدرستين في التفكير، ما قبل الإخوان كما كانوا قبل 2012، قد يوحي ان لديهم بضاعة بوسعها أن تأخذنا الى واقع افضل».

إقراء المزيد