مع ( قطة البيت ) مقدمة وقصيدة

الأحد: 30 رجب 1439 - 15 إبريل 2018 - 07:13 مساءاً بـريــد الـقـراء
مع ( قطة البيت )  مقدمة وقصيدة

صورة أرشيفية

أطمع أن تكون لي قطة في البيت، شقراء، ولا ضرورة لفروة شعر مبالغ فيها. حين أنفرد وحدي، وكثيرا ما أنفرد، تكون هي إلى جانبي، دون حاجة للاعتراف من منا أكثر حاجة للآخر. لكني لم أقدم على استضافة واحدة، لأنها تتطلب رعاية وخدمات أشعر بأني عاجز عنها. لكن هذا العجز لم يمنعني من أن أطمع أن تكون لي قطة في البيت.

قال لي من ينتصر للقطة أنها متمنعة بطبعها، وذات "أنا" أبية، قياساً بالكلب المفعم بنكران الذات، وبالحميمية. وبالضرورة أجدني أنتصر للكلب، وأعرف أني لا أقدر عليه هو الآخر. لكن الحاجة إلى الدفء تجعلني أستحضر القطة، حين يُسعفني الخيال. قبل فترة حدث أن أسعفني مساءً، وكنت مقبلاً على طاولة العشاء. القصيدة اكتملت بفترة قصيرة. لكن قطة المخيلة لم تكن مكتملة بالتأكيد. لم تكن بهيئة حيوان حي، ولم تكن رمزاً أيضاً. لم تكن تحت سطوة فهمي، أو وعيي. وهل يستوعب أحدٌ حلم الليل؟ فكيف بحلم النهار. أعرف أن القصيدة ليست حلماً، بل هي خلق، تنبعث من مصادر غامضة عدة. لكن النص الذي أُنجز لم يكن ينطوي على إيحاء حسي، أو جنسي بالتحديد. بل ينطوي على فكرة، ليست مجردة تماماً، لأنها ترتبط بالتجربة أو الحكمة. تتضح في منتصف القصيدة: "فيما مضى كنتُ أقول: حينما ينفرد الإنسان/ بنفسه محدثاً، كم تغتني حكمتُه!/ لكنني الآن أراها سمُنت في داخلي،/ من فرط ما اغتنتْ به، وأصبحتْ عييّةَ اللسان".

أراجع القصيدة الآن، شأن أي قارئ منكم. لم أفهم كيف تترهل الحكمة إذا اغتنت. ولم أفهم الرابط بين هذا المحور الفكري وبين القطة كشاهد، لا يخلو من لوم وعدم رضا. هل يبدو لك الشاعر، حين ينجز قصيدته، كمن يتورط بإنجاز مخلوق شائه يتلون تلوّن الحرباء؟ يبدو لي كذلك. "الشعرُ عيونُ تماسيحْ./ لا تأمْنه،/ لا تأمن حرفاً منه!" (من قصيدة حذر 1994).

مع قطة البيت

كنت أُعدُّ وجبة المساءْ.

أطلّتْ القطة، ثم اقتربتْ وارتقتْ المائدة،

وقرفصتْ تنظر لي بدعةٍ، ولم أكنْ أقلَّ منها دعة.

مبتسماً، قلت لها: نقتسم العشاء

ما بيننا؛ شريحةٌ من سمك، كأسُ من الخمرِ، وصحنُ ماء.

لأنني أرى الحياةَ أُلفةً، وأنتِ أولى بي من الفئران.

فيما مضى كنتُ أقول: حينما ينفرد الإنسان

بنفسه محدثاً، كم تغتني حكمتُه!

لكنني الآن أراها سمُنت في داخلي،

من فرط ما اغتنتْ به، وأصبحتْ عييّةَ اللسان.

أسألُها فتكتفي بالنظرةِ الغائمة،

حتى لتبدو نظرةً لائمة.

وبعد أن وفّى كلانا حقَّه من وجبة الطعام

أومأت القطةُ لي،

تكوّرتْ،

طوتْ ذراعيها، أراحتْ رأسَها عليهما،

واستسلمت نائمة.

إقراء المزيد