( أمي أقوى من أمك )

السبت: 23 جمادى ثانى 1439 - 10 مارس 2018 - 08:57 صباحاً بـريــد الـقـراء
( أمي أقوى من أمك )

صورة أرشيفية

لم أعد أُدهش وأنا أشاهد مجبراً الأحداث التي تدور في مجلس الأمة، فمواقع التواصل الاجتماعي أخذت تتعاطى مع الأحداث، إما بنقلها من باب الخبر الصحافي وإمّا بالسخرية من المحتوى والمستوى المتدني من الطرح والقضايا الهامشية التي ملَّ منها المواطن... 
والمضحك المحيِّر السجال الذي دار في مجلس الأمة عن التهديد والوعيد الذي أطلقه نوابٌ إسلاميون للوزير الروضان ووزير الإعلام الجبري؛ لسماحهما بإقامة حفل غنائي ومناسبة قرع الجرس في بورصة الكويت، الأمر الذي دفع نوابا ليبراليين بالتصريح والتهديد لنفس الوزيرين إذا قاما بإلغاء أي المناسبتين، أمرٌ يجعلك في حيرة من تصريح كل مجموعة وكأننا فرغنا من كل مشاكلنا وحلحلنا كل إشكالية الدولة الاقتصادية والتعليمية والصحية وتفرغنا لحفلة ومسابقة وغيرها من الأمور التي لا يمكن أن يكون لها مجالٌ للنقاش في مجلس الأمة. 
إنَّ الإشكالية في فهم كل مجموعة من المجموعات الفكرية، سواء الليبرالية أو الإسلامية لمعنى الممارسة السياسية وفهمها للحريات ومعناها الحقيقي البعيد عن التكسب على ظهر قضايا تافهة قشرية لا قيمة لها مقابل الأطر الأساسية التي يجب أن ترعاها هذه المدارس، فالسطحية الليبرالية التي جعلت من الليبرالية مجرد حركة للدفاع عن قضايا مثل الحفلات الغنائية واللباس وغيرها من الأشياء التي يضيق بها المقام لذكرها، والرعونة التي يتبناها الإسلاميون في طرحهم للقضايا والتي لا تختلف كثيرا عما يطرحه الليبراليون، فهم في الواقع يلعبون لعبة شد الحبل في ما بينهم وكل يحاول أن يفوز بهذه اللعبة. 
إنَّ مفهوم الليبرالية بمعناه الأشمل يمثل نهجا شاملا للحريات والتعاملات الإنسانية التي تنظم الإطار العام للأفراد في المجتمع بما يكفل التناغم والتآلف من دون تدافع وتعارك، وتأصيل الحريات بما يتوافق مع رغبات المجتمع وتوجهاته، فهي القالب الأمثل لتمثيل المجتمع بما يتناسب ورغباته، وهي بكل تأكيد بعيدة عن الانحلالية التي يسوق لها البعض في القنوات التلفزيونية والمقالات الصحافية، ومقاعد مجلس الأمة التي يدَّعي البعض أنه ليبرالي ولا يعرف من الليبرالية إلا خدَّها الناعم ودعوته ليل نهار لإلغاء المادة الثانية من الدستور، ودعمه للحفلات الغنائية وكأنه متعهد حفلات غنائية وليس ممثلا للأمة بأسرها.
والأزمة الكبرى هم التيار الإسلامي الذي ابتعد عن مقاصد الشريعة، والرغبات العليا للشريعة في بناء مجتمع سليم أخلاقيا وقوي فكريا ومتماسك اجتماعيا له حقوق وعليه واجبات والتي من شأنها أن تخلق مجتمعا متناغما يحتوي الجميع باختلاف آرائهم وتوجهاتهم، لا إجبار فيه لأي أحد في تبني فكر أو فرض لسلوك معين إلا ضمن ما يراه القانون والدستور، ولكن الأمر الغريب أنَّ الإسلاميين تركوا التواصي وجنحوا إلى الوصاية على المجتمع والذي بطبيعة الحال نفر من هذه الممارسات التي ما عادت تسمن ولا تغني من جوع في ظل الحملة العالمية على أي رؤية إسلامية تحاول أن ترى النور والتشويه المستمر لهذه المدرسة التي ظلمت من الأطراف كافة. 

خارج النص: 
- لا ألوم أي نائب على ممارسته داخل المجلس وتخييبه لتطلعات وآمال المجتمع، ولكني ألوم المجتمع والناس الذين ما زالوا يصوتون ويشاركون في الانتخابات التي أصبحت لعبة لا طائل منها سوى إلهاء الشعب بصراعات، الخاسر فيها هو الشعب وحده... 
- كيف نريد أن نقنع 50 نائباً أن يتفقوا مع 16 وزيراً على إقرار قانون أو الاتفاق على وجهة نظر معينة، وهم جميعا مختلفون في الآراء والتوجهات والطموحات والرغبات، فوضى سياسية أقل ما يمكن أن نسميها... 
- النواب الذين دافعوا عن الحفلات الغنائية من باب الحريات... لماذا لم تدافعوا عن مواطنين سجنوا بسبب تغريدات لرأيهم الخاص؟ ونواب سجنوا لأجل ممارسة سياسية... ولماذا لم تنتفضوا من أجل حقوق المرأة في الإسكان والجنسية؟ ومن الكتب وتكميم الأفواه وغيرها الكثير الكثير... إذا كانت الليبرالية تهزكم وتقض مضاجعكم، فالليبرالية ليست أغاني ولباس بحر وشعارات رنانة، فهناك فرق بين الانحلالية والليبرالية، يا أخي العزيز. 
- ذكرتني سجالات البرلمان في برنامج طبخ لبناني اسمه «أمي أقوى من أمك»، فالأم دورها المرشد للطاهي الذي عادة ما يكون الابن والذي يحاول جاهدا أن يثبت أن أمه أقوى من أم زميله. 
AlSaddani@hotmail.com

إقراء المزيد