ليست..... للتفريخ والطبخ فقط

السبت: 23 جمادى ثانى 1439 - 10 مارس 2018 - 08:55 صباحاً بـريــد الـقـراء
ليست..... للتفريخ والطبخ فقط

صورة أرشيفية

لا يجب فصل المرأة عن نسيج المجتمع، خصوصاً أنها تمثل أكثر من النصف وتربي النصف الآخر. إن أخطر ما تواجهه المرأة المعاصرة من تحديات، هو: 
1 - عدم مساواتها مع زميلها الرجل في الوظيفة والمهام والراتب وحقوق التعبير والمشاركة العملية أو المساهمة ميدانيا أو فرص الترقيات. وحين نأتي للأدب، نجد أنه متاح له الكتابة في كل موضوع بلا استثناء، بل ويتم تشجيعه والتصفيق له لسبر واقتحام الموضوعات الصعبة والساخنة. أما هي فمحظور عليها فتح الأبواب المغلقة لأنها أنثى وسيلحق العيب والعار بأسرتها ويتبعها لآخر العمر. ويحجب عنها إمتيازات كثيرة، كترقيات الوظيفة، أو الزواج المناسب المتكافئ أو النجاح الذي تتمناه وتحقيق طموحاتها... وغيرها. 
2 - مقارنتها بأخريات في أوطان أخرى بقيود أقل وحريات أكبر مما يثير موضوع المصداقية والعدالة. ولا يمكن لها النجاة من هذا إلا بالعزم والتصميم والإرادة القوية النابعة من الاستقلال الفكري والثبات الوجداني. فالكاتبة مثلاً تكتب نصا ينبع من خليط ظروف نفسية واجتماعية وتربوية ساهمت بتشكيل هويتها. وهي هنا كـ «كون» في فضاء التعبير عن النفس. هي جندي في معركة طرق كل الأبواب التي منعوها من فتحها. وكل الأفكار التي استثنوها من الكتابة فيها. فكيف تكون إنسانا إن لم تمتلك الجرأة لتحقق وطنيتها وجوهر كيانها. الحرية لا تنفصل عن الوجود الإنساني. (فإن لم تكن جريئا لا تكتب. وإن لم تكن حرا، فلست بإنسان).
3 - أن تحصر نفسها في موضوعات المرأة، فتتناسى دورها تجاه المجتمع والوطن والأمة، كمساهمة في الإصلاح والتطور. وبذلك تتأخر في مواكبة قضايا الوطن والناس والسياسة والعلم والإصلاح والإعلام التي ينشغل بها الرجل؛ الموظف والكاتب والنائب. وهي ليست أقل تأهيلا منه في تناولها. ولعل «الشماعة» الأكثر شيوعا لنعلق عليها أعذار تطور المرأة، هي: أنها انفعالية وعاطفية ورقيقة الإحساس وتعجز عن التحكم بمشاعرها. لذلك لا يليق بها منصب قضاء مثلاً، متناسين أن للمرأة عقلا كالرجال تماماً، وأنها مخترعة ورئيسة دولة، عالمة وكابتن طيران وفضاء، ومؤهلة لمهام المجتمع والتنمية كزميلها الرجل. ولا تسير سفينة المجتمع للأمام من دونها.  
لماذا مثلاً يتوقع الجمهور أن تكتب المرأة في الحب والزواج والأولاد والطبخ والديكور، بينما يتوقع من الرجل الكتابة في السياسة والاقتصاد والتجارة وغيرها من موضوعات مصيرية حاسمة. تظن تلك المجتمعات أن المرأة كائن طارئ على الحياة وهامشي في المجتمع، مهمته التفريخ والطبخ فقط. وهي مجتمعات تقع تحت ثقل الموروث التقليدي الجامد والمرجعات التقليدية البالية. مجتمعات تعاني ليس فقط من النظرة الدونية للمرأة بل التمييز بين الأفراد، حسب الجنس واللون والهوية والمال وغيره. ولن تتطور أو تتحضر إلا إن تخلصت من هذه العنصرية والطبقية وطبقت العدالة الاجتماعية والمساواة الإنسانية. حينها وحينها فقط تسمو لما يسمى بالمجتمع الديموقراطي. 
ثم حين ننظر لمجتمعاتنا، نرى أنه رغم الطفرة المالية والعمرانية الهائلة من أبراج ضخمة، مترو، مطارات وقطارات... الخ، إلا أنها لا تزال تحت ثقل أفكار متوارثة تهين المرأة وتحط من قدرها ولا تنظر اليها ككائن عاقل قادر، فاعل وفعال في المجتمع. الطفرة المدنية اقتصرت على المظاهر لا الجوهر. على المباني والمجمعات والأجهزة ودخول عالم التواصل الاجتماعي والملبس والسيارات والكماليات بأنواعها، لكنها لم تقترب من المنظومة الفكرية الاجتماعية وخاصة مكانة المرأة... لماذا؟ لأنه لا يسمح لها من قبل السلطة والمؤسسات والجهات المسؤولة والجمعيات والتربية والإعلام وعالم التجارة والمال... كلهم يقفون صفاً بصف ضد تمكين المرأة حتى يبقوا سيطرتهم عليها، فلا تنافسهم ولا تهدد مكانتهم. ومن دون تحقيق هذا لن تتطور الأسرة ولن يخطو المجتمع للأمام. 
لكن التغيير قادم. إننا نلمس ذلك الغضب الخفي تارة والصراخ تارة أخرى في الثورات النفسية والعقلية من خلال تصاريح أو مشاركات انسانية او تجارية او عملية فنية او أعمال روائية لكاتبات اخترقن المسكوت عنه والمكبوت، وتطرقن لموضوعات، إما كانت حكرا على الرجل أو لم يتجرأ حتى هو على الكتابة فيها. هذا التغيير ليس سوى ثورة طال كتمها وسكاتها وحان أوان أن تتكلم. فليس صحيحا أن المرأة تابع يولى عليها. إنها تسجيل صريح للحظة حسم زمن ضعف المرأة وخوفها الذي انتهى. ومرحلة الحصار الذكوري ولت. فهناك اديبات واجهن النيابة والمحاكم وتمسكن بكلمة الحق. وهناك من تتبعن أحلامهن عبر سلسلة عراقيل حتى نجحن. زمن الخوف ولى وحان أوان الفرسان. 
اما لو أتينا لأخطر تحديات المرأة المعاصرة، لا شك سنقول انها المرأة التي تحاربها وترفض التغيير والتنوير. إنها عدوة نفسها. فقد ارتاحت للجهل والخوف واستكانت مع الضعف والعجز. وأصبح من الصعب اختراق سمك حاجز الراحة النفسية والأمان العقلي حتى تفهم وتتعقل حريتها وحقوقها وتقتنع بالتغيير. 
إنها تنظر للمرأة المستنيرة على أنها عنصر تهديد لها. اما تهدد الراحة المستمدة من الجهل أو من حالة الترف التي تجلب لها الأمان التي تعيشها. فقد قام النظام الإعلامي والاجتماعي والاقتصادي الاستهلاكي بـ «تسليع» تلك المرأة وسلخها من إدراك قيمتها كعقل وإرادة، حتى أصبحت مجرد شيء أو بضاعة... تتسوق للقضاء على الوقت وتقيس كل ما في الحياة مادياً. إنها أخطر على حرية وكيان المرأة المعاصرة من الرجل والمجتمع ومن أي نظام أو كيان آخر.

إقراء المزيد