من المراهقة... حتى انتهاء الشباب!!

السبت: 23 جمادى ثانى 1439 - 10 مارس 2018 - 08:54 صباحاً بـريــد الـقـراء
من المراهقة... حتى انتهاء الشباب!!

صورة أرشيفية

أفريقي أصيل يذكّرك بعراقة أفريقيا المهضومة حقوقها، والمنشورة ثروتها، والمستباح لونها، والمربوطة من يديها ومطلوب منها أن تسير بقدم واحدة... ورغم ذلك فلا يخلو الأمر من إخراج لسانها للعالمين بين الحين والآخر لتذكرهم كم هي مرحة ومشوقة وغامضة.
كل ذلك كان يبدو مرسوماً على جبهة عبدالرحيم، والذي يتحول جبينه إلى أمواج مضحكة عندما أدخل عليه المكتبة قائلاً: «السلام عليك أيها الرجل الطيب»، فتظهر تجليات ترحيب صادقة لا تكاد تنفض حتى تتجدد.
عبدالرحيم بائع الكتب المستعملة منذ أن كنت مراهقاً يخطو بخطوات طاووس إلى مرحلة الشباب، تلك المرحلة التي خرجت منها منذ شهر حسب الأوراق الرسمية... منذ ذلك الوقت وأنا زبون عبدالرحيم... كل فترة الشباب.
في مكتبة عبدالرحيم للكتب المستعملة ستجد كل شيء ثمين ثقل وزنه وخف سعره، بستان من كتب المعرفة التي تراكمت تشاركياً من خلال القراء وليس من خلال الناشر أو أمين المكتبة.
كل من لديه مجموعة من الكتب يريد بيعها... فهذا هو السبيل، وكل من يريد بيع كتبه وعرضها لحسابه الخاص، فهذا هو الطريق... مكتبة ابتلعت ثروة مثقفين ماتوا، ومكتبات منزلية هجرت، وحصيلة قراء نهمين تتكدس الكتب عليهم في زمن الشبكة، كان عبدالرحيم يشتري تحت شعار «مكتبة تبتلع كتبك... وتعطيك الخلود» حيث لا تتعرف فقط على أفكار المؤلفين، ولكنك أيضاً تتعرف على أسرار القراء!
تجد في كتبها المستعملة أسماء وحوارات قراء مع مؤلفين على هوامش الصفحات، أحدهم يأخذ بخناق الآخر، وأحدهم يسير مع المؤلف ويغرد فرحا، أحدهم ماتت أمه فقرر أن يضع روحها في كل كتاب يقرأه، يدعو لها بأن يلقاها عند حوض المصطفى ويشربان من يديه الشريفتين شربة لا يشعران بعدها بظمأ البعد أو الفراق يوماً، تجد رسالة معاتبة أرسلت لأحدهم، أو رسومات طفل غفلت عنه أمه فأفسد كتب أبيه، أو قارئ سبح الله على فكرة لمحها بين طيات السطور... فتبحث عنها وتفتش، فلا تجدها فتسبح الله مفجر المعاني وميسر الكلمات.
كانت كتباً مليئة بالأرواح!
كنت أذهب ومعي أكثر من 30 كتاباً ما بين بضاعة مزجاة وما بين أوصي له الكيل، لكي يشتريها مني بالجملة، يقلب النظر بعين الخبير يسوم سعراً، فأقبل... مع المطالبة بكتاب هدية، وتمت الصفقة تسير على هذا المنوال قرابة الأربع سنوات، ثم قررت اتباع تكتيك آخر وهو أن آخذ له الكتب ولا آخذ ثمنها البخس، ولكن أبادلها بكتب.
طلبت منه ذلك، فوافق وقال لي: «أنت لست زبوناً، المكتبة لك».
ومن فوري اتبعت سياسة ابن حزم الظاهري في تفسير النصوص واعتبرت المكتبة لي فعلاً... فما أن يجتمع عندي 30 كتاباً، حتى أذهب بها وأبادله بـ 10 أو 15 كتاباً على الأكثر وحسب، وكنت دائماً أقول له إن مكتبته تحمل إمكانات المكتبات العظمى في البلد وأنك من الممكن أن تشكل ظاهرة ثقافية بسبب هذه المبادئ التي تسير عليها... فكان ينظر لي مستغرباً، ثم ينفجر من الضحك ويستحي ويضع لي الكتب في الكيس وينظر إليّ وكأنه يقول «مع السلامة»!
كانت تجمعني به الصلاة في صف المسجد ويفرقنا سعر الكتاب في المكتبة، رغم أنني كنت أعلم أن أسعاره اشتراكية إلى الحد الأقصى... ولكنني كنت رأسمالياً معه، همي كله تقليل التكاليف وتعظيم الأرباح.
وكنت أحب في مكتبة عبدالرحيم، ضيوفه الذين جاؤوا ليشتروا فجلسوا من التعب... فهي لم تكن مكتبة بقدر ما كانت دهاليز، إذا أخرجت عقلك لم تكد تراه من كثرة العناوين والمواضيع في الرف الواحد وفي كل زاوية ومقعد، حتى على مكتبه الذي كان يملك مقومات الحد الأدنى لما يمكن أن نسميه مكتباً!
لا شك أن وعيي الثقافي تغذى على ما وفرته لي مكتبة عبدالرحيم من كتب مستعملة وجديدة، أحياناً بأسعار تناسب جيبي، واعتبرت المكتبة مكاناً أميناً أستطيع أن أضع فيه كتبي التي زاحمت عليّ شقتي... فإذا اشتقت لأحدهم سأجده عند عبدالرحيم، وما لم أجده عنده، كنت أكتشف أن أحد أصدقائي قد اشتراه من هناك.
منذ فترة طويلة اختفى عبدالرحيم... أرى روحه في مكتبتي! فأدعو الله مميز اللغات عند الدعاء وجامع القلوب عند التوجه... أن يكون صديقي بخير.

كاتب كويتي 
moh1alatwan@

إقراء المزيد