*الرجولة والأنوثة*

الخميس: 9 جمادى أول 1439 - 25 يناير 2018 - 10:21 صباحاً بـريــد الـقـراء
*الرجولة والأنوثة*

صورة أرشيفية

يخطر في بالي الآن رواية وفيلم «في بيتنا رجل»، وأظن أن الغالبية من جيلي شاهدت الفيلم، أو قرأوا الرواية للكاتب الرائع إحسان عبدالقدوس. والرجل المقصود هناك يختلف عن جميع الذكور الموجودين في ذلك البيت البسيط، مثل الأب الطيب النبيل (حسين رياض)، أو الأخ المحدود التفكير والذي يمثل النمط الذكوري الاجتماعي السائد (حسن يوسف)، أوالقريب الذكي الانتهازي الذي يتصيد ويقتنص الفرص (رشدي أباظة)، ليظهر بينهم فجأة رجل حقيقي (عمر الشريف)، صاحب مبدأ، مؤمن بقضية، ومستعد أن يضحي بحياته من أجلها. 
الرجولة هنا تعني التضحية والإيمان بالحق والمبدأ، والصدق والإباء والكبرياء والكرامة والجدية، هذا المقياس الحقيقي للرجولة، وليس في القوة والعنتريات والعضلات المفتولة، مثل قاتل زوجته في الرياض، الذي يعتقد في نفسه أنه تصرف كرجل عندما رآها تخرج وتقود السيارة بلا موافقته، لكنه بتصرفه الإجرامي أظهر أنه أدنى الكائنات جميعا وليس فيه ذرة من الرجولة. 
والأنوثة ليست في التبرج الطاغي المقرف، ولا في عمليات التجميل، بل في البساطة والذكاء، والأنوثة ليست بالتباهي بالماركات الباهظة، ولا بارتداء الملابس الثمينة والحرير والذهب والألماس، ولا باقتناء أفخم السيارات والأثاث. 
الأنوثة تتمثل في الحب والحنان والعطاء والرحمة والمودة والجمال الروحي الذي لا يشيخ، الأنوثة تتمثل في الصدق الروحي والفهم العقلي والحب المخلص الوفي، الأنوثة تكمن في التفهم والمرونة والتقبل والتسامح. 
مفهوم الرجولة الحقيقية يظهر ويتجلى في حب الزوجة والأبناء، في احترام الأسرة لا في السيطرة عليها، ولا في التعامل وكأن جميع أفرادها عبيد له. الرجل الحقيقي يظهر في مساعدة جميع أفراد أسرته لتحقيق أحلامهم وأهدافهم، في حمايتهم وتشجيعهم. ماذا تريد المرأة سوى رجل يحترمها ويخاف عليها ولا يرضى بإهانتها؟ رجل يحميها ويدافع عنها وقت الشدة والخطر، رجل يقف بجانبها عند تعرضها لموقف صعب. إن الرجل الذي يتفرج على زوجته وهي تُضرب مثلاً أو يتم التحرش بها ولا يحرك ساكناً ليس برجل، لكن إذا تصرف بحماقة مثل أن يقتل المتحرش، فالزائد كالناقص تماما، أي أن الرجل الأحمق كالرجل الجبان، كلاهما لا يمثلان الرجولة الحقة التي تعني الحكمة والشجاعة معا.
الرجولة الحقيقية ليست في من يركب السيارة الفارهة، ولا في من يشغل وظيفة الوزير أوالمدير، ولا في من لديه الدخل الوفير، بل الرجولة في التعامل مع الآخرين، فالدين المعاملة، والإنسان الملتزم الحق ذكرا أو أنثى إذا حدّث صدق، وإذا وعد أوفى، وإذا أؤتمن صان.
الرجولة الحقة ليست في حلو السلام ومعسول الكلام، بل في الفعل والتصرف والممارسة، فما أكثر من يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك عند الفعل كما الثعلب، الرجولة قول وفعل. 
وللشباب خاصة أقول: الرجولة ليست في أن يتصرف بعض الأبناء بأنهم ولاة على أخواتهم وأمهاتهم، وهم يقبضون منهن مصروفهم اليومي. والرجولة ليست في تدخين السجائر أو الشيشة أو الحشيشة، بل في الآمال والطموحات، في الجد والعمل، لا في النوم والكسل.
والأنوثة ليست في الدلع والكلام المايع وليست في التصنّع والتبهرج، ولا في الهرولة خلف آخر صيحات الموضة، ولا في الاتكالية والطفيلية، بل في تحمل المسؤولية والدقة وإتقان العمل، أيّا كان ذلك العمل.
الأنوثة تكمن في الذكاء العاطفي والروحي والعقلي، في حسن المعشر والأخلاق في احترام الآخر، خصوصا الزوج والأبناء، والأنوثة ليست في طول اللسان بل في حسن الكلام، وليست في الحرية المطلقة، بل في الحرية المسؤولة.
والرجولة ليست في الشدة بل في الحكمة، وليست في القوة بل في العقل والشخصية، وليست في اللسان بل في القلب، ويُعرف الإنسان على حقيقته في الموقف، تتكشف لك الشخصية ويظهر المعدن على أصله في الموقف. 
فيا أيها الآباء والأمهات، يا من بأيديكم الأمر، أنتم تستطيعون أن تصنعوا الرجال وليس أشباه الرجال، وتصنعوا النساء الصالحات، فالتربية هي الأساس، فإن غرستم في نفوس أبنائكم الخصال الثلاث: الصدق والأمانة والوفاء، وإن سرتم على نهج أشرف المرسلين، في الحديث الشريف: «لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وآخه سبعاً، ثم الق حبله على غاربه»، حتما أنتم الفائزون. 
ولاعب تعني ألعب معه ولا تعني الدلع، فلو أطال لسانه اشكمه، ولو تصرف بشكل خاطئ علمه الصواب منذ نعومة أظفاره. ولقد رأيت أمامي حالات كثيرة مزرية، مثل أن يصرخ الطفل في محل عام ويثير الصخب والفوضى ولا يحرك والداه ساكنا!
وأدبّه لا تعني العنف والقسوة، بل تعني الاعتدال في التربية والتوجيه والإرشاد. 
وآخه أي صادقه واسمع منه وافهمه، والبعض يقول إنه ليس بحديث نبوي، وإنما مرويّ عن السلف، ونُسب إلى أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب، وما يهمنا تطبيق القاعدة التربوية تلك.
وفي الختام، نقول إن الرجولة أوالأنوثة ليستا في الجسد أو المظهر بل في الجوهر، وجوهر المرء قلبه وعقله وأفعاله.

aalsaalaam@gmail.com

إقراء المزيد