فراغ مُفزع

الثلاثاء: 12 محرم 1436 - 4 نوفمبر 2014 - 01:08 مساءاً بـريــد الـقـراء
فراغ مُفزع

صورة أرشيفية

" فراغ مُفزع "

 بقلم : حنان احمد الحربش

في الوقت الذي يحاصرنا فيه الفراغ من كل جانب ، فلا نعد نملك القدرة على التفكير بأي شيء على الإطلاق .. نصاب بخيبة أمل كبيرة .. و نعلن الإفلاس ..

نحن الذين نعتبر العالم كله حقلا ًخصيباً مفعماً بالمعاني ، مشرقا بالألوان و الأفكار ، نحن الذين نريد أن نرتكب كل نزوات الحياة ، و نعيش جنونها بصخب لذيذ ، تملؤنا الرغبة المفعمة بخوض كل شيء و أي شيء ..

يالبؤس ما نشعر به عندما نفاجأُ " بانتكاسة هذه الرغبة " عندما نفاجأ بعدم قدرتنا على تحصيل أي لذة تتعلق بكلما حلمنا به و تمنينا تجربته أو تحقيقه .. عندما يبهت كل شي ، و يشق طريقه نحو الدخان الرمادي الذي يتلبّس أرواحنا التي لطالما راهنّا على قدرتها على التحليق ، لنُفاجأُ بها عالقة في قفص الفراغ الموحش و الكبير ...

كم هو مفزع هذا الفراغ الذي يولّد هذا الاكتئاب الفُجائي الذي يقاوم كل مظاهر الحياة بصمته الجاثم .. هذا الاكتئاب الذي لا نستطيع التعامل معه ، هذا الشعور القاسي الذي يشوّه دواخلنا و يفقدنا الإيمان بكل شيء ..

حتى أننا نشعر باللاجدوى  و اللامعنى ، و بأن مركبة الخيال التي كانت تطوّف بنا العالم ، محض خردة لا تصلح لشيء سوى أن نتخلّص منها ...

لأن قلبها " مات " لأننا متنا .. و نودّ التخلص من أنفسنا كذلك ..

لا عجب .. في أن ينتحر الكثيرون ، ممن يسقطون في هذه الهاوية ..  هاوية الإحساس بالفراغ ، و النضوب , هاوية الاحساس  باللاشيء ، و اللاجدوى .. و الفزع من النهايات المخزية ..!

لقد انتحر ڤان جوغ لهذا السبب تحديدا .. لقد تمكن منه هذا الإحساس باللاشيء ، لقد خشي النضوب ، و الموت البطيء جداً ، لقد خشي من الشعور بالتلاشي ، من حسرة الوقوف بعجز دون أن يتدارك نفسه .. دون أن ينقذ إحساسه بالحياة .. دون أن يسعف موهبته التي يخبو بريقها شيئا فشيئاً.. دون أن يتمكن من مداراة وهجها و الحفاظ عليها من الانطفاء ..

هكذا نموت .. هكذا تموت أرواحنا بمشنقه الإحساس بالعدم ، نموت ميتتنا القاسية عندما ندرك بأننا ننضب فجأة بأننا في طريقنا الى التلاشي .. بأن هنالك ما تجف منابعه في الأعماق .. بأن العالم على سعته و رحابته لم يعد يؤثر فينا ، لم يعد يحدث أي فرق !!

و لكننا مع ذلك نرفض الموت بشدة .. لان الحياة جميلة على الرغم من كل شيء .. و كل ما علينا فعله هو ان نعيشها حتى النهاية .

إقراء المزيد