الثورة الحقيقية

السبت: 23 ذو القعدة 1439 - 4 أغسطس 2018 - 12:06 مساءاً بـريــد الـقـراء
الثورة الحقيقية

صورة أرشيفية

التخصص الوحيد الذي للآسف لن تجده يدرّس في المدارس لكنه في جامعات الحياة والتربية والخبرات، هو «الأخلاق». فقد يحمله عامل النظافة، ولا يحمله الدكتور. يحمله الفقير دون الغني أحيانا. الأخلاق ليست مجانية أو عابرة بل نتعلمها بالامتحانات الصعبة. بالجراح والخسارة والنهوض بعد السقوط. كل يوم درس، حتى لا تتكرر الأخطاء. 
لكنني شخصيا أؤمن بأن الخيال أكثر مصداقية من الواقع. لأنه يقود للخلق والابتكار ولتغيير الواقع الجامد المقيد. ويعتبر مكملاً ومتمماً للعلم والمعرفة. لكن الواقع مكبل بقوانين وضوابط وقوانين ولوائح. أما المتخيل فسيد حر، خلاق ومتجدد. والواقع ليس سوى عبد مطيع له. الواقع يزود ببعض معطيات و«داتا» فقط ثم يبني الخيال. يحذف ويضيف فيتلاشى الواقع تدريجيا. ويبزغ كيان جميل يجمعهما. الواقع ليس سوى محفز للبداية ومزود لبعض المعطيات فقط.
أما لو تأملنا الأحداث التاريخية بأنواعها، فقد كانت تدور رحى المعارك الثقافية والفكرية والحقوقية، بين قطبين فاعلين: النخبة من جانب (علماء، فلاسفة، مفكرون ومثقفون...)، والرعاع من جانب آخر (الجهلة، الفاسدون، الحرامية، والمرتشون من رجال أعمال وسياسة وتجار...) وبينهما العموم، الشعب. القطيع، الذي لا يكون فاعلا بل متفرج ثم مفعول به، حين يتلقى نتيجة الثورة أو الحدث... الذي يشكل الدولة، الحقبة والمرحلة. ويسيرهم وينقلهم من حال لحال.
انظروا للثورات... ماذا أنجزت وأضافت. ماذا حققت سوى تردي الحال. انتشار الجوع والبطالة والفوضى الأخلاقية. حتى الثورة العربية الاخيرة لم تستفد من الثورتين المصرية والسورية السابقتين، بل جاءت مكملة للخيبة والإحباط. لماذا؟ لأنها لم تقم على دعامة فكرية وركيزة منطقية وبناء سياسي وتضافر جهود مخلصة متناهية لانجاحها. 
هنا يأتي دور المثقف الأصيل الذي كالخنجر في خاصرة المجتمع. انه المزعج للفاسدين والجهلة على حد السواء. ينقر في وعيهم ويرمي الحصى في بحيرتهم الراكدة ويؤرق منامهم بنداءاته المتكررة للإصلاح والتغيير. فهو لا يقبل بالثقافة النظرية بل بتحويلها لنهج معرفي واقعي. وخطة ثقافية مجتمعية إنسانية حضارية متكاملة. لكن أين هو؟ ولو وجد، يتم تهميش وتجنيد وعدم استخدام فكره وإخلاصه لري حضارة ومدنية المجتمع من جهة ووعي العامة من جهة أخرى. 
ميزة المثقف أنه مدرك أن المجتمع بطبيعته يرفض التغيير ويحب التقليد وهو ما يقاومه المثقف.
لذلك لدى المثقف الأصيل يكون الخط المعرفي النظري يوازي الواقعي الفعلي «الفاعل» في المجتمع والمغربل لعقل الإنسان المحفز لتربة الدماغ الخصبة التواقة للتطور والتغير.
‏لقد ارتبط مفهوم «المثقف» منذ نشأته في مطلع القرن الماضي بالبحث عن الحقيقة. لكن أي حقيقة. بالتأكيد ليس الحقيقة التي يسعى إليها العالم الذي يتتبع حقائق الطبيعة. المثفف، تدفعه المسؤولية الأخلاقية لكشف حقائق يؤدي طمسها إلى تفاقم الفساد وضياع الهوية. ومن هنا فإن المثقف هو العارف والباحث عن الحقيقة في جانبه النظري، وهو المصلح الاجتماعي في جانبه العملي الواقعي. 
‏أما النخبة من كتاب وعلماء فيستمد كل منهم شرعيته من: 
1 - إحساسه وإخلاصه اتجاه ثورة جملته وفكره وتميز لغته وعلمه. 
2 - ثورته وتحديه لنفسه بابتكار الجديد. 
3 - مواجهته لمخاوفه وكوابيسه وأشباحه الدفينة. وتعبيرات كلمته ونبض الصدق في بوحه وفكره. وليس من كلام ورأي الآخرين عنه وعن أعماله.

إقراء المزيد