نصائح في أهمية غسل «المواعين»!

السبت: 23 ذو القعدة 1439 - 4 أغسطس 2018 - 12:04 مساءاً بـريــد الـقـراء
نصائح في أهمية غسل «المواعين»!

صورة أرشيفية

في الواقع، كنت أريد تسمية هذا المقال «مذكرات أسرية أثناء عطلة الخادمة»، لكنني قلت في نفسي إنه ينبغي قول «العاملة المنزلية» بدلاً من كلمة الخادمة. وعندما لاحظت أن العنوان سيكون أطول من شهر سبعة في الكويت تراجعت، وبمجرد أن دخلت المطبخ بجسد رجل وبروح «ست بيت» من طبقة برجوازية تائبة عن معاصي الرأسمالية، حتى لاح عنوان هذا المقال أمامي بجانب الصحون والأكواب والكؤوس والقناني والملاعق والسكاكين والمغارف.
غسل المواعين من هواياتي الجميلة التي بدأت ممارساتها في الرابعة عشرة من عمري، حيث عدد الليالي التي كنت أقاوم فيها الأرق والسهر أكثر من عدد الليالي التي كان النعاس يداهمني فيها، لدرجة أن أمي رحمها الله تفاجأت بتطور مهاراتي في سرعة الأداء وانسيابية الحركة وتقليل الهدر في الماء من خلال إعداد الماء الساخن مع قليل من الخل كمرحلة قبلية، وزيادة رغوة الصابون بالملح والليمون كمرحلة انتقالية، واحترافية اختيار منتجات قطنية للتنشيف كمرحلة بعدية، وتقسيم أجزاء العمل حسب مقاطع الغناء عند عبدالحليم أو أم كلثوم... وهذا شيء يحتاج دقة شديدة مثل تحديد مكان الإلكترون وسرعته. لقد اكتسبت الكثير من المهارات التراكمية، كان آخرها على ما أذكر أن ميولي في الكتابة بدأت من المطبخ وليس من المكتبة!
كان العمل في المنزل مراعياً النوع الاجتماعي المكون من ولدين وأبيهما وأم تمنت طفلة جميلة لم تنجبها ورضت بقضاء الله وقدره.
كانت أمي رحمها الله تقوم بكل شيء في المنزل وبلا خادمة، وأنا أغسل كل شيء وبلا أجر، وأبي وأخي يقومان بأهم دور للحفاظ على التوازن البيئي ودورة حياة العمل من خلال تغذية ديالكتيك الصراع اليومي بين ما يتركانه وما أغسله!
ما إن تزوجت ورزقني الله بأبناء، حتى أحضرت للمنزل خادمتين، واحدة للأبناء والأخرى لتقوم بما كنت أنا وأمي نقوم به، لكي أتفرغ أنا وزوجتي لمشاهدة التلفاز! ولأدخل في حياة جديدة أخرجتني من البيان الاشتراكي والياقات الزرقاء وأدخلتني مرحلة الياقات البيضاء بالدرجة الثالثة وأربع علاوات... ومرت سنوات حتى أخبرتنا «كانتي» أنها تريد السفر نهائياً لكي ترتاح من الغربة وتتفرغ لابنها المراهق الذي أرهق أباه في غابات السيلان، ثم تبعتها في ذلك «كوماري» بطلب إجازة أربعة أشهر لكي تزوج ابنتها في الهند على ظهر الفيل.
أيقنت أنني أمام مرحلة يجب أن أستعيد فيها جميع مهاراتي السابقة في تقسيم العمل المنزلي... وغسيل المواعين.
يعيد التاريخ نفسه ويظهر مرة ككوميديا ومرة كتراجيديا، ولكن هذه المرة ظهر بشكل ثالث... كتصفية وتربية وتنمية.
كنت حريصاً على نقل خبراتي ومهاراتي في التدبير والاقتصاد المنزلي لابنتي، بينما كانت «أم العيال» تستعيد مهارات كادت تفقدها بسبب الوظيفة، وكل ذلك على مسمع ومرأى من ابني الصغير الذي كان يمارس ما كان يمارسه أبي وأخي من قبل.
يتطلع أبناؤنا في المنازل إلى ما هو أكبر من مجرد تقديم خدمة وجبات الطعام أو ملابس الشتاء، فهم يبحثون أيضاً عن الفرص التي تساعدهم على تنمية أنفسهم بشكل تفاعلي مع آبائهم خارج جدران القاعات ووراء أسوار المدرسة، كما أنهم يتطلعون بشغف إلى العمل معهم وليس عليهم، إضافة إلى أن الوعظ المباشر لم يعد يسحرهم بقدر ما يعجبهم التفاعل والإقناع والحوار المفتوح في مساحات منزلية داعمة لحركتهم وتخلو من العمالة التي جعلت كل حياتهم تدار بالأصابع، وأصبحوا لسبب ما نجهله قادرين على التمييز بين من ينظر إليهم كمشكلة يجب التعامل معها والحرص على إشغالها بشاشات اللمس، وبين من ينظر إليهم كضحية تستحق العطف والرعاية والوصاية والمراقبة بالكاميرات، وبين من ينظر إليهم كإمكانية قابلة للتفجر والإبداع والتنمية والمشاركة حتى في الأعمال المنزلية.
لقد كانت تجربة ممتعة ومفيدة لي ولزوجتي ولأبنائي، حيث تتعرف الأسرة على منزلها بشكل أكثر عمقاً، ويظهر على أفرادها لمسة من التماسك تجاه المكان الذي يجمعهم.
إن هذه موعظة للأسر الشابة التي ترتدي ثوب الحداد بسبب سفر عمالتهم المنزلية وتقدم تصورات جنائزية للحياة الخالية منهم.
كاتب كويتي 
moh1alatwan@

إقراء المزيد