«أوبك» أمام تحدي الاستقلالية بعد معاناتها الانقسامات

الخميس: 29 شوال 1439 - 12 يولية 2018 - 12:32 مساءاً مال و إقتصاد
«أوبك» أمام تحدي الاستقلالية بعد معاناتها الانقسامات

صورة أرشيفية

تغريدات ترامب تجاه «أوبك»، وتحديدا المنتجين الخليجيين، تمثل تطورا يضيف ضغوطا أمنية تعزز المخاطر الجيوسياسية المصاحبة لتلك الاقتصادية التي تنجم عن تراجع أسعار النفط على موازنات دول مجلس التعاون، باعتبارها تعتمد على صادرات النفط بشكل أساسي في تمويل إنفاقها.

تتزايد الإشارات بشأن دخول سوق النفط في واقع جديد غير مألوف، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالمنظمة الأكبر للمنتجين، وهي "أوبك"، وعلاقتها مع المستهلكين.

فلم تعد تحديات منتجي "أوبك" تقتصر على مسائل توازن السوق أو تدفق الإمدادات أو تجاوز الانقسامات التي عصفت غير مرة بين أعضائها، أو حتى القدرة على فهم طبيعة المنافسة مع النفط الصخري مثلا، وما ترتب عليها من سياسات متناقضة للمنظمة في الفترة بين 2014 و2017، إنما تتجاوزها إلى مسألة جوهرية تتعلق باستقلالية المنظمة وقراراتها، خصوصا فيما يتعلق بقرارات تخص توازن العرض والطلب، وهو ما يقلل قيمتها كعنصر فاعل في السوق، باعتبارها تمثل ما يوازي ثلث الإنتاج العالمي من النفط الخام.

 

تغريدات وتهديدات

 

تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتوالية على "تويتر" بشأن "أوبك" وسوق النفط، وأهمها "على أوبك أن تتذكر أن أسعار البنزين ترتفع وهم يقومون بقليل من المساعدة. لعلمكم هم يرفعون الأسعار بشكل مستمر، في الوقت الذي تحمي الولايات المتحدة كثيرا من أعضاء المنظمة مقابل أموال قليلة جدا. خفضوا الأسعار فورا"، تشير إلى أوضاع جديدة في السوق تربط حماية الدول، والمقصود فيها على الأرجح منتجو الخليج بمدى خفض الأسعار، وهو تطور يضيف ضغوطا أمنية تعزز المخاطر الجيوسياسية المصاحبة لتلك الاقتصادية التي تنجم عن تراجع أسعار النفط على موازنات دول مجلس التعاون باعتبارها تعتمد على صادرات النفط بشكل أساسي في تمويل إنفاقها.

 

تحولات السوق

 

وسوق النفط يشهد منذ فترة ليست بالطويلة تحولات متعددة، تمثل في مجملها ضغطا على منتجي "أوبك"، وخصوصا الخليجيين، وأهمها أن كبار المستهلكين سيكبحون أي ارتفاع حاد لأسعار الخام في الأسواق، وهو ما تبين عندما تجاوزت أسعار "برنت" في منتصف مايو الماضي مستوى 80 دولارا للبرميل لأول مرة منذ نوفمبر 2014، إلى جانب دخول الشركات النفطية الأميركية، منذ بداية العام، على خط المنافسة، أو بشكل أدق "حرب أسعار" مع منتجي النفط التقليديين، مثل "أوبك" وروسيا، على حصص في الأسواق الآسيوية، كالصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة والهند وماليزيا، مع مطالبات شركات نفطية آسيوية بأن يقدم منتجو الخليج خصومات على شحناتهم أو زيادة المشتريات من الخام الأميركي.

 

ومع أن سوق النفط يشهد حاليا تطورات إنتاجية غير تقليدية كتعثر عمليات الإنتاج في فنزويلا، وتذبذب التصدير من ليبيا، والعقوبات الأميركية على النفط الإيراني، فإن أي نقص متوقع في الإمدادات يقابلها استعداد من "أوبك" وحلفائها من خارج المنظمة، وأبرزهم روسيا، لتخفيف خفض الإنتاج البالغ 1.8 مليون برميل يوميا المعمول به منذ مطلع عام 2017 إلى إنتاج مليون برميل إضافية توزع حسب الحصص الخاصة بكل دولة، مع التعهد بتغطية أي خفض مفاجئ بالإمدادات، إلا أن ترامب يريد خفضا قسريا بضخ كميات كبيرة من الخام في الأسواق وفقا لقاعدة "خفضوا الأسعار فورا"!

 

«أوبك» تعامل وقدرة

 

ومع أن "أوبك" كمنظمة، على لسان رئيسها الإماراتي سهيل المزروعي، ردت على ترامب رافضة تحملها مسؤولية ارتفاع الأسعار، فإن عددا من دول المنظمة، كالسعودية والإمارات، أبدى استعداده لضخ كميات إضافية لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات، بينما كانت مطالبة الرئيس الأميركي للسعودية وحدها زيادة إنتاجها بمليوني برميل يوميا، وهو مستوى قياسي يتجاوز مثلا كمية الخفض الموزعة على الدول المنتجة بـ200 ألف برميل يوميا!

وتتجه معظم التحليلات في سوق النفط إلى أن دعوات ترامب غير منطقية من زاوية القدرات الاحتياطية لدول "أوبك"، التي تكفي لمعادلة الكمية المستهدفة من خفض إنتاج النفط الإيراني بسبب العقوبات، لكنها ليست كافية إذا تعثرت الإمدادات بسبب أي اضطراب جديد في أماكن مثل ليبيا وكندا أو النرويج أو نيجيريا، وهو سلوك متكرر في السوق، وبالتالي فإن الأسعار معرضة بسبب المخاطر لاحتمالات الارتفاع، حتى وإن زادت بقية الدول إنتاجها.

 

اقتصاد وديمقراطية

 

ومع أن مسألة العمل على سعر مقبول للمنتجين والمستهلكين أمر ضروري، وهو أحد الأدوار التي يجب على "أوبك" لعبها، فإن سياسات الرئيس الأميركي مع المنظمة أقرب إلى تهديد الاستقلالية من التفاهم معها، خصوصا فيما يتعلق بجزئية "تحمي الولايات المتحدة كثيرا من أعضاء المنظمة مقابل أموال قليلة جدا"،

التي تتطلب من دول "أوبك"، وخصوصا الخليجية، أن تتنبه لواقع جديد يتطلب سياسات ضرورية من جانبين أولهما اقتصادي - مالي، يتمثل في خلق اقتصاد غير نفطي مساند للمالية العامة، ويقلل الاعتماد على النفط كأساس للميزانيات، ويعالج انحرافات الإنفاق على المشاريع غير المفيدة للاقتصاد، ويعدل سوق العمل، والتركيبة السكانية، أما الثاني فيستوجب تحسين أساليب الإدارة العامة في دول الخليج، والرهان على المؤسسات لا الأفراد، فضلا عن الانفتاح على المجتمع، من خلال تعزيز المشاركة الشعبية وحقها في الرقابة والإدارة، خصوصا دور الشعب في الإدارة إذا كان على أسس سليمة تجنح إلى التطور الديمقراطي، وليس فقط إجراء الانتخابات، فإنه يرفع كفاءة التحديث الاقتصادي والمالي من ناحية، فضلا عن أنه كلما كانت أكثر الدول ديمقراطية وفر لها هذا الأمر حماية أكبر يقيها ولو بشكل جزئي من توترات الإقليم وابتزاز الآخرين.

إقراء المزيد